في أول ظهور سياسي له بعد اختياره مرشدًا أعلى لإيران خلفًا لوالده علي خامنئي، أطلق مجتبى خامنئي خطابًا مطولًا حمل رسائل متعددة الاتجاهات، موجهة إلى الداخل الإيراني وإلى دول المنطقة، فضلًا عن خصوم طهران في الولايات المتحدة وإسرائيل. وجاء الخطاب في لحظة إقليمية شديدة الحساسية مع استمرار المواجهة العسكرية وتصاعد التوتر في الخليج والشرق الأوسط، ما جعل كلماته بمثابة إعلان مبكر عن طبيعة المرحلة المقبلة في السياسة الإيرانية.
الرسالة الأولى التي حاول خامنئي إيصالها كانت تتعلق بالاستمرارية السياسية للنظام الإيراني، إذ حرص على التأكيد أن انتقال السلطة بعد مقتل والده لم يضعف بنية النظام، بل أظهر – وفق تعبيره – تماسك الدولة والمجتمع. ومن خلال هذا الخطاب سعى المرشد الجديد إلى تثبيت شرعيته في منصب يعد الأعلى في هرم السلطة الإيرانية، وإلى طمأنة الداخل بأن الجمهورية الإسلامية لا تزال قادرة على إدارة الصراع مع خصومها.
تثبيت الشرعية في لحظة انتقال حساسة
بدأ مجتبى خامنئي خطابه بالإشارة إلى اللحظة التي علم فيها بقرار مجلس خبراء القيادة اختياره مرشدًا أعلى، موضحًا أنه تلقى الخبر عبر التلفزيون الرسمي بالتزامن مع الشعب الإيراني. وقد بدا هذا التفصيل محاولة لإظهار أن القرار لم يكن نتاج ترتيبات شخصية أو عائلية، بل نتيجة عملية مؤسساتية داخل النظام.
وأكد أن الجلوس في الموقع الذي شغله من قبل روح الله الخميني وعلي خامنئي يمثل مسؤولية ثقيلة للغاية، مشيرًا إلى أن والده أمضى أكثر من ستة عقود في العمل السياسي والديني قبل أن يصبح شخصية محورية في تاريخ إيران المعاصر. ووصف لحظة رؤيته لجثمان والده بعد مقتله بأنها لحظة مؤثرة، معتبرًا أن المرشد الراحل ظل “كالجبل في صلابته” حتى اللحظة الأخيرة.
ومن خلال هذا التقديم حاول المرشد الجديد الجمع بين خطاب العاطفة الشخصية والخطاب السياسي، في خطوة تهدف إلى ربط شرعيته بتراث الثورة الإسلامية وتاريخ قيادتها.
الرهان على المجتمع الإيراني
خصص خامنئي جزءًا مهمًا من خطابه للحديث عن دور المواطنين، معتبرًا أن الأيام التي مرت على إيران دون قائد أعلى كشفت – بحسب وصفه – عن “بصيرة الشعب الإيراني”. وقال إن حضور الإيرانيين في الساحة خلال الأزمة الأخيرة أدهش الأصدقاء والخصوم على حد سواء، معتبرًا أن الشعب هو الضامن الحقيقي لاستقرار البلاد.
وشدد على أن قوة النظام الإيراني تعتمد بشكل أساسي على المشاركة الشعبية، وأن القيادة وأجهزة الدولة لا تستطيع أداء دورها من دون هذا الدعم. ودعا الإيرانيين إلى الحفاظ على وحدة المجتمع وتجنب الخلافات الداخلية، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب قدرًا كبيرًا من التضامن.
كما دعا المواطنين إلى المشاركة في الفعاليات العامة والسياسية، مشيرًا إلى أهمية يوم القدس بوصفه مناسبة تعبّر عن موقف إيران من الصراع مع إسرائيل. وفي الوقت نفسه طالب المؤسسات الخدمية بتكثيف دعمها للمتضررين من الحرب وتقديم المساعدة للعائلات التي تواجه ظروفًا اقتصادية صعبة.
خطاب الحرب والاستعداد لتوسيع المواجهة
في الجانب العسكري من خطابه، أكد مجتبى خامنئي أن إيران ستواصل القتال حتى تحقيق ما وصفه بالنصر، معتبرًا أن البلاد تواجه هجومًا من “جبهة الاستكبار”، في إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقدم شكرًا للمقاتلين الإيرانيين الذين قال إنهم تمكنوا من إحباط محاولات للسيطرة على إيران أو تقسيمها، مؤكدًا أن مطلب الشعب هو استمرار الدفاع “المؤثر والرادع”.
وفي إشارة لافتة، تحدث خامنئي عن إمكانية استخدام ورقة إغلاق مضيق هرمز كجزء من أدوات الضغط في الحرب الجارية، كما ألمح إلى احتمال فتح جبهات جديدة إذا استمر الصراع، معتبرًا أن خصوم إيران يفتقرون إلى الخبرة في التعامل مع مثل هذه السيناريوهات.
كما أشاد بما وصفه بدور “محور المقاومة”، مشيرًا إلى دعم الحوثيين في اليمن لغزة، وإلى مساندة حزب الله لإيران، إضافة إلى الفصائل العراقية التي قال إنها تسير في الاتجاه نفسه.
الانتقام كجزء من معادلة الردع
واحدة من أبرز الرسائل في الخطاب تمثلت في حديث المرشد الإيراني عن “الانتقام” لدماء القتلى. إذ أكد أن الرد الإيراني لن يقتصر على مقتل والده، بل يشمل كل إيراني يُقتل في الحرب الجارية.
وقال إن جزءًا من هذا الرد تحقق بالفعل، لكنه شدد على أن الملف سيظل مفتوحًا حتى يتحقق الرد الكامل، خصوصًا في ما يتعلق بمقتل الأطفال. وأشار إلى حادثة قصف مدرسة في مدينة ميناب، معتبرًا أنها جريمة خطيرة ستأخذ حيزًا مهمًا في الرد الإيراني.
كما أعلن أن الحكومة مطالبة بتقديم العلاج المجاني للجرحى وتعويض المتضررين عن الخسائر التي لحقت بمنازلهم أو أعمالهم، مؤكدًا أن المسؤولين مطالبون بتقديم تقارير مباشرة له حول تنفيذ هذه الإجراءات.
رسالة تحذير إلى الدول العربية
الجزء الأخير من الخطاب حمل رسائل مباشرة إلى دول المنطقة. إذ قال مجتبى خامنئي إن إيران ترتبط بحدود برية أو بحرية مع 15 دولة، وإنها ترغب في علاقات جيدة معها، لكنه اتهم الولايات المتحدة بإقامة قواعد عسكرية في بعض هذه الدول لفرض سيطرتها على المنطقة.
وأوضح أن بعض تلك القواعد استُخدمت في الهجوم الأخير على إيران، مشيرًا إلى أن بلاده استهدفت القواعد العسكرية فقط ولم تستهدف الدول التي تستضيفها. لكنه حذر من أن الهجمات قد تتواصل إذا استمرت الحرب.
ودعا تلك الدول إلى إغلاق القواعد الأمريكية، معتبرًا أن واشنطن تستخدمها لفرض نفوذها في الشرق الأوسط. كما أكد أن بلاده ترى في دول المنطقة شركاء طبيعيين، لكنها لن تتردد في الدفاع عن نفسها إذا تعرضت لهجمات تنطلق من أراضيها.
بهذه الرسائل حاول المرشد الإيراني الجديد أن يحدد ملامح المرحلة المقبلة: صراع مفتوح مع الخصوم، ومحاولة لكسب دعم الداخل، وتحذير إقليمي بأن الحرب قد تتوسع إذا لم تتغير المعادلات الحالية.
اقرأ أيضًا : ليندسي غراهام يهاجم السعودية ويضغط لجرّ الخليج إلى الحرب ضد إيران