تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرض إجراءات إغلاق مشددة على المسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس المحتلة، مانعةً آلاف المصلين من الوصول إلى ساحاته، لليوم الخامس عشر على التوالي، بذريعة الأوضاع الأمنية المرتبطة بالتصعيد العسكري في المنطقة والحرب الجارية مع إيران. ويأتي هذا الإغلاق في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للمسلمين، إذ يتزامن مع الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك التي تشهد عادةً توافد مئات الآلاف من المصلين إلى المسجد الأقصى، خصوصًا لإحياء ليلة القدر.
ويمثل هذا الإجراء سابقة غير مسبوقة منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، حيث لم يحدث من قبل أن مُنع المصلون بشكل شبه كامل من أداء الصلوات والاعتكاف داخل المسجد الأقصى خلال العشر الأواخر من رمضان. كما غابت الحشود التي اعتادت التوافد إلى الأقصى في الجمعة الأخيرة من الشهر الفضيل، في مشهد أثار غضبًا واسعًا بين الفلسطينيين، الذين يرون أن ما يجري يتجاوز مجرد إجراءات أمنية مؤقتة.
ويؤكد مراقبون أن الاحتلال يستغل حالة التوتر الإقليمي والانشغال الدولي بالحرب الدائرة في المنطقة لفرض وقائع جديدة على الأرض في القدس، في محاولة لتغيير طبيعة إدارة المسجد الأقصى وتقليص الوجود الإسلامي فيه. ويأتي ذلك ضمن سلسلة طويلة من القيود التي تفرضها السلطات الإسرائيلية على الفلسطينيين في المدينة المقدسة، سواء عبر الحواجز العسكرية أو القيود العمرية أو التصاريح الخاصة.

دعوات شعبية لإحياء ليلة القدر رغم الحصار
في مقابل هذه الإجراءات، تصاعدت الدعوات بين الفلسطينيين، وخاصة في مدينة القدس والداخل الفلسطيني المحتل، للتوجه إلى المسجد الأقصى وإحياء ليلة القدر فيه رغم القيود المفروضة. وتداول ناشطون ومؤسسات دينية ومجتمعية نداءات واسعة تحثّ على شد الرحال إلى المسجد المبارك، معتبرين أن الحضور في هذه الليلة يمثل رسالة صمود وتأكيدًا على التمسك بحق المسلمين في العبادة داخل الأقصى.
ويرى أصحاب هذه الدعوات أن المشاركة في إحياء ليلة القدر داخل الأقصى تحمل بعدًا دينيًا وسياسيًا في آن واحد، إذ تشكل تحديًا مباشرًا لسياسات الإغلاق ومحاولات فرض السيطرة الكاملة على المسجد. كما يعتقد كثير من المقدسيين أن الاحتلال يسعى إلى اختبار ردود الفعل الفلسطينية والعربية تجاه هذه الإجراءات غير المسبوقة، مستفيدًا من الظروف الإقليمية المتوترة.
وتاريخيًا، شكّلت المناسبات الدينية الكبرى في المسجد الأقصى، وعلى رأسها شهر رمضان، ساحة للتعبير عن الوجود الفلسطيني في القدس. وقد اعتاد الفلسطينيون التوافد بأعداد كبيرة إلى المسجد في العشر الأواخر من الشهر الفضيل، حيث تتحول ساحاته إلى مركز روحي واجتماعي يعكس عمق ارتباط المسلمين بالمكان.
لكن الإجراءات الحالية، التي تشمل إغلاق أبواب المسجد ومنع الدخول إلى محيطه في أحيان كثيرة، جعلت الوصول إليه شبه مستحيل لآلاف المصلين، الأمر الذي أثار حالة من الغضب والاستياء في الأوساط الفلسطينية.
تحذيرات من مخططات لتغيير الواقع الديني في الأقصى
من جهتها، حذرت محافظة القدس من التصاعد الخطير في خطاب التحريض الذي تقوده ما تُعرف باسم “منظمات الهيكل” المتطرفة، والتي تستغل حالة الإغلاق الحالية للدفع باتجاه تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى. وأكدت المحافظة أن هذه المنظمات تكثف حملاتها الإعلامية والسياسية للمطالبة بفرض سيطرة أكبر على المسجد، والسماح بإقامة طقوس دينية يهودية داخله بشكل دائم.
وترى جهات فلسطينية رسمية ومؤسسات دينية أن ما يجري لا يمكن تفسيره على أنه إجراءات أمنية مؤقتة، كما تدّعي سلطات الاحتلال، بل يندرج ضمن مسار سياسي وأيديولوجي طويل يهدف إلى تغيير الواقع الديني والتاريخي والقانوني في المسجد الأقصى.
ويشير محللون إلى أن الاحتلال يتبنى سياسة تقوم على “التدرج في فرض الوقائع”، بحيث يبدأ بإجراءات مؤقتة أو استثنائية، ثم تتحول مع مرور الوقت إلى واقع دائم يصعب التراجع عنه. وقد شهدت السنوات الماضية نماذج عديدة لهذه السياسة، سواء في ما يتعلق بتقسيم أوقات الدخول إلى المسجد أو توسيع نطاق اقتحامات المستوطنين لساحاته.
وفي ظل هذه التطورات، تتزايد المخاوف الفلسطينية من أن تتحول حالة الإغلاق الحالية إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من الإجراءات التي تستهدف تقليص الوجود الإسلامي في الأقصى. كما يخشى كثيرون أن يؤدي استمرار التوترات الإقليمية إلى توفير غطاء سياسي للاحتلال لمواصلة سياساته في القدس دون ضغوط دولية حقيقية.
ورغم ذلك، يؤكد الفلسطينيون أن المسجد الأقصى سيبقى محور الصراع في القدس، وأن محاولات فرض الأمر الواقع لن تنجح في تغيير مكانته الدينية والتاريخية. ولذلك، تتواصل الدعوات لإحياء ليلة القدر في ساحاته، باعتبارها رسالة واضحة بأن ارتباط المسلمين بالأقصى يتجاوز كل القيود والإجراءات، وأن سياسات الإغلاق والحصار لن تستطيع كسر هذا الارتباط أو إلغاؤه.
اقرا أيضًا : ضربات إيرانية موجعة للقوات الأمريكية داخل قاعدة سعودية حساسة