يضع استمرار إغلاق مضيق هرمز الولايات المتحدة في واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والاستراتيجية التي تواجهها منذ عقود، إذ لا يقتصر تأثير هذا الإغلاق على أسواق النفط والطاقة فحسب، بل يمتد ليهدد الاستقرار المالي الأمريكي ذاته، وسط توقعات بارتفاع الدين العام إلى مستويات غير مسبوقة. ويرى خبراء في قطاع الطاقة أن واشنطن تجد نفسها اليوم في ورطة حقيقية، إذ إن الحرب والتوتر المتصاعد مع إيران يحدّان من قدرتها على ضمان تدفق النفط عبر أهم ممرات الطاقة في العالم.

ويؤكد خبير اقتصاديات الطاقة الدكتور ممدوح سلامة أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى تفاقم العجز في الميزانية الأمريكية بصورة هائلة، الأمر الذي قد يدفع الدين العام للولايات المتحدة إلى نحو 40.8 تريليون دولار خلال عام 2026. ويعني ذلك أن الاقتصاد الأمريكي قد يواجه ضغوطا مالية غير مسبوقة، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة عالميا وتزايد تكاليف الاستيراد والتشغيل داخل الاقتصاد الأكبر في العالم.

ورغم أن الولايات المتحدة تعد أكبر منتج للنفط عالميا، فإنها لا تستطيع عزل نفسها عن تقلبات السوق العالمية، إذ تستورد ما يقارب ثمانية ملايين برميل يوميا من النفط، وهو ما يجعلها عرضة مباشرة لتداعيات ارتفاع الأسعار. كما أن أي زيادة حادة في أسعار النفط ستؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، ما ينعكس في النهاية على التضخم ومستوى المعيشة داخل الولايات المتحدة.

ويرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية تواجه معضلة حقيقية؛ فالتدخل العسكري المباشر لإعادة فتح المضيق قد يجر المنطقة إلى مواجهة أوسع مع إيران، في حين أن استمرار الإغلاق سيزيد الضغط على الاقتصاد الأمريكي وعلى الأسواق العالمية.

أسعار النفط تقفز إلى مستويات قياسية

أحد أبرز التداعيات المباشرة لإغلاق مضيق هرمز يتمثل في الارتفاع الكبير في أسعار النفط العالمية، حيث قفز سعر خام برنت من نحو 65 دولارا للبرميل قبل الأزمة إلى أكثر من 120 دولارا حاليا، مع توقعات بإمكانية ارتفاعه إلى مستويات أعلى بكثير إذا استمر الإغلاق لفترة طويلة.

ويشير خبراء الطاقة إلى أن الأسواق النفطية تعتمد بشكل كبير على الإمدادات القادمة من الخليج العربي، والتي يمر جزء كبير منها عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي تعطيل للملاحة فيه قادرا على إحداث صدمة قوية في السوق العالمية.

وتزداد خطورة هذا الارتفاع في الأسعار مع توسع التوتر العسكري في المنطقة، إذ إن أي مواجهة مباشرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى قد تؤدي إلى تعطيل إمدادات إضافية من النفط والغاز، الأمر الذي سيؤدي إلى قفزات جديدة في الأسعار ويزيد من حدة الأزمة الاقتصادية العالمية.

وكانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تحاول إبقاء أسعار النفط ضمن نطاق مقبول للاقتصاد الأمريكي، حيث كان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يضغط على تحالف أوبك+ لزيادة الإنتاج بهدف الحفاظ على الأسعار بين 49 و60 دولارا للبرميل، وهو المستوى الذي يستطيع الاقتصاد الأمريكي تحمله دون ضغوط تضخمية كبيرة. غير أن الأسعار الحالية تجاوزت هذا المستوى بأكثر من الضعف، وهو ما يعكس حجم الاضطراب الذي أصاب الأسواق.

انكماش اقتصادي عالمي يلوح في الأفق

لا تقتصر تداعيات الأزمة على الولايات المتحدة فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره، حيث يحذر خبراء من أن استمرار إغلاق المضيق قد يؤدي إلى تباطؤ حاد في النمو الاقتصادي العالمي. وتشير التقديرات إلى أن معدل النمو قد ينخفض من 3.3 بالمئة، كما كان متوقعا قبل اندلاع الحرب، إلى نحو 1.3 بالمئة خلال فترة الأزمة، وربما يقترب من الصفر إذا استمر الإغلاق لأكثر من شهرين.

ويعني ذلك أن الاقتصاد العالمي قد يدخل مرحلة من الركود أو شبه الركود، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي والغذائي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والنقل. كما ستشهد الأسواق العالمية ارتفاعا في أسعار السلع الأساسية، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة معدلات التضخم في معظم دول العالم.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الخسائر التي قد يتكبدها الاقتصاد العالمي خلال شهرين فقط من استمرار الإغلاق قد تصل إلى نحو خمسة تريليونات دولار، وهي أرقام ضخمة تعكس حجم الاعتماد العالمي على استقرار إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط.

ويرى بعض المحللين أن تكلفة هذه الأزمة قد تتجاوز حتى تكلفة الحرب الأمريكية على العراق عام 2003، والتي بلغت آثارها الاقتصادية على العالم أكثر من ستة تريليونات دولار، بينما قد تتجاوز الخسائر في الأزمة الحالية هذا الرقم إذا استمر إغلاق المضيق لفترة طويلة.

الاقتصادات الكبرى أمام اختبار صعب

تعد الدول الصناعية الكبرى من أكثر المتضررين من أي اضطراب في إمدادات النفط العالمية، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي والهند والصين. فالهند تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط لتلبية احتياجاتها من الطاقة، ومع ارتفاع الأسعار إلى مستويات تتجاوز 120 دولارا للبرميل قد تواجه أزمة مالية حادة نتيجة تضخم فاتورة الطاقة.

أما الاتحاد الأوروبي، الذي يعاني أصلا من تباطؤ اقتصادي منذ أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، فقد يجد نفسه أمام أزمة جديدة قد تدفع اقتصاده إلى حافة الانكماش، مع ارتفاع معدلات البطالة والتضخم في العديد من دوله.

وفي المقابل، تبدو الصين في وضع أفضل نسبيا مقارنة ببقية الاقتصادات الكبرى، رغم كونها أكبر مستورد للنفط في العالم. ويعود ذلك إلى قدرتها المالية الكبيرة التي تمكنها من تحمل ارتفاع الأسعار، إضافة إلى علاقاتها الاستراتيجية مع روسيا، التي تستطيع زيادة صادراتها النفطية إلى الصين عبر خطوط أنابيب مباشرة أو عبر الممرات البحرية الشمالية.

أزمة تكشف حدود القوة الأمريكية

تكشف أزمة مضيق هرمز في جوهرها حدود القدرة الأمريكية على فرض السيطرة الكاملة على ممرات الطاقة العالمية، فواشنطن التي تمتلك أقوى أسطول بحري في العالم تدرك أن إرسال سفن حربية لمرافقة ناقلات النفط قد يعرضها لهجمات صاروخية إيرانية، وهو ما قد يسبب خسائر عسكرية وسياسية كبيرة.

ولهذا تبدو الولايات المتحدة عالقة بين خيارين صعبين: إما المخاطرة بتصعيد عسكري قد يشعل حربا إقليمية واسعة، أو القبول بتداعيات اقتصادية ثقيلة على اقتصادها والاقتصاد العالمي.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يصبح مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري لنقل النفط، بل نقطة ضغط استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية والسياسية في العالم، بينما تجد واشنطن نفسها في قلب أزمة قد تكون من أخطر التحديات التي تواجهها في القرن الحادي والعشرين.

اقرأ أيضًا : ضربات إيرانية موجعة للقوات الأمريكية داخل قاعدة سعودية حساسة