في خضم التصعيد العسكري المتزايد في الشرق الأوسط، تتكشف حقائق جديدة حول الدور الحقيقي الذي تلعبه دولة الإمارات في الصراعات الإقليمية، وهو دور يتناقض بشكل صارخ مع الخطاب الرسمي الذي تروج له أبوظبي باعتبارها دولة “محايدة” تسعى للاستقرار. غير أن الوقائع الميدانية، خاصة تلك المرتبطة بقاعدة الظفرة الجوية، تكشف أن الإمارات ليست مجرد طرف مراقب، بل منصة متقدمة للعمليات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية في المنطقة.

وتبرز هذه الحقيقة بشكل أوضح بعد التقارير التي تحدثت عن تعرض قاعدة الظفرة الجوية لهجوم إيراني بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية دقيقة، وهو ما أعاد تسليط الضوء على حجم الدور الذي تلعبه الإمارات في دعم البنية العسكرية الأمريكية في الخليج.

قاعدة الظفرة.. مركز الأعصاب للعمليات الأمريكية في الخليج

تقع قاعدة الظفرة الجوية على بعد نحو 32 كيلومتراً جنوب العاصمة أبوظبي، في موقع جغرافي شديد الحساسية يضعها بالقرب من أهم الممرات البحرية في الشرق الأوسط، وفي الوقت ذاته على مسافة أقل من 200 كيلومتر من الأراضي الإيرانية عبر الخليج.

هذا الموقع الاستراتيجي جعل القاعدة واحدة من أكثر المنشآت العسكرية الأمريكية كثافة من حيث التكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية في المنطقة. فالقوات الأمريكية تدير هناك شبكة معقدة من أنظمة الرادار المتقدمة والطائرات الاستطلاعية والطائرات المسيرة، التي تشكل العمود الفقري لعمليات جمع المعلومات الاستخباراتية في الشرق الأوسط.

كما تستضيف القاعدة الجناح الجوي الاستكشافي رقم 380 التابع للقوات الجوية الأمريكية، وهو هيكل قيادي يتولى تنسيق عمليات التزود بالوقود جواً وعمليات المراقبة والاستطلاع بعيدة المدى عبر نطاق عمليات القيادة المركزية الأمريكية.

وبفضل هذا الهيكل العسكري، تحولت قاعدة الظفرة إلى مركز عمليات لوجستي واستخباراتي يسمح للولايات المتحدة بمتابعة الأنشطة العسكرية الإيرانية بشكل دائم، بما في ذلك مراقبة إطلاق الصواريخ والتحركات البحرية والتطورات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.

الرادارات الأمريكية.. عين واشنطن على إيران

من أبرز الأنظمة العسكرية التي كانت تعمل داخل القاعدة نظام الرادار المتقدم للإنذار المبكر من الصواريخ، المعروف باسم AN/TPY-2، وهو أحد أهم أجهزة الاستشعار في منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية في الشرق الأوسط.

هذا الرادار يمثل حجر الزاوية في شبكة الدفاع الصاروخي التي تربط بين الأنظمة الأمريكية وأنظمة الحلفاء في الخليج، مثل منظومات “ثاد” و”باتريوت”، حيث يوفر بيانات مبكرة حول إطلاق الصواريخ الباليستية، ما يسمح بتنسيق عمليات الاعتراض.

لكن التقارير الأخيرة أشارت إلى أن هذا الرادار المتطور، الذي تبلغ قيمته نحو 500 مليون دولار، تعرض للتدمير بعد استهداف القاعدة بصواريخ باليستية دقيقة وطائرات مسيرة، وهو ما يشكل ضربة مباشرة للبنية الاستخباراتية الأمريكية في المنطقة.

كما تحدثت تقارير أخرى عن تضرر البنية التحتية الخاصة بطائرات الاستطلاع الأمريكية، بما في ذلك الطائرات المسيرة من طراز “MQ-9 ريبر” والطائرات التجسسية بعيدة الارتفاع، وهي معدات تشكل ركناً أساسياً في عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية.

الإمارات في قلب شبكة التجسس الإقليمية

هذه المعطيات تطرح تساؤلات عميقة حول الدور الذي تلعبه الإمارات في الصراعات الإقليمية. فوجود هذه المنظومات العسكرية والاستخباراتية المتطورة على أراضيها يعني أن أبوظبي ليست مجرد حليف سياسي لواشنطن، بل شريك فعلي في عمليات المراقبة والتجسس التي تستهدف دول المنطقة.

وبينما تحاول الإمارات تقديم نفسها في الإعلام الدولي كوسيط دبلوماسي يسعى إلى خفض التوترات، فإن استضافة واحدة من أهم القواعد الاستخباراتية الأمريكية في الشرق الأوسط يكشف وجهاً مختلفاً تماماً لسياساتها.

فالقاعدة لا تستخدم فقط لأغراض دفاعية، بل تمثل منصة عمليات متقدمة تسمح للقوات الأمريكية بمتابعة التطورات العسكرية في الخليج والشرق الأوسط بشكل دائم، ما يجعل الأراضي الإماراتية جزءاً أساسياً من البنية الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

سياسة مزدوجة بين الحياد المعلن والانخراط العسكري

هذا التناقض بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية يعكس سياسة إماراتية تقوم على محاولة الجمع بين لعب دور الوسيط في النزاعات الإقليمية من جهة، والانخراط العميق في التحالفات العسكرية الغربية من جهة أخرى.

غير أن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذه المعادلة قد تحمل مخاطر كبيرة، إذ إن تحويل الأراضي الإماراتية إلى مركز متقدم للعمليات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية يجعلها هدفاً مباشراً لأي صراع إقليمي.

فالهجمات التي استهدفت قاعدة الظفرة، إن صحت تفاصيلها، تعكس بوضوح أن الخصوم الإقليميين باتوا ينظرون إلى الإمارات باعتبارها جزءاً من البنية العسكرية الأمريكية، وليس مجرد دولة محايدة.

وبذلك، فإن الصورة التي تحاول بعض وسائل الإعلام الغربية تقديمها عن الإمارات كدولة “محايدة” تسعى فقط للاستقرار الاقتصادي والاستثمار العالمي، تبدو بعيدة عن الواقع، في ظل الدور العسكري والاستخباراتي العميق الذي تلعبه أبوظبي داخل الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

اقرأ أيضًا :إغلاق مضيق هرمز يهدد الاقتصاد العالمي ويضع واشنطن في مأزق مالي غير مسبوق