في سابقة هي الأخطر منذ احتلال مدينة القدس عام 1967، يدخل إغلاق المسجد الأقصى المبارك أسبوعه السادس، وسط تصاعد التحذيرات من تداعيات عميقة لا تقتصر على البعد الأمني، بل تمتد إلى محاولة إعادة تعريف هوية المكان وإدارته وواقعه الديني والسياسي. هذا الإغلاق، الذي تبرره سلطات الاحتلال بدواعٍ أمنية مرتبطة بالحرب الإقليمية، يبدو في نظر مراقبين وباحثين خطوة متقدمة ضمن مسار طويل يهدف إلى إحكام السيطرة الكاملة على أحد أكثر الأماكن حساسية في العالم الإسلامي.

الإجراءات الإسرائيلية لا تقتصر على منع المصلين، بل تتجاوز ذلك إلى فرض واقع ميداني جديد داخل المسجد ومحيطه. فبينما يُمنع آلاف الفلسطينيين من الوصول إلى الأقصى، يُسمح في المقابل لمجموعات من المستوطنين باقتحامه تحت حماية مشددة، في مشهد يعكس سياسة انتقائية واضحة تستهدف الوجود الإسلامي تحديدًا. هذا التناقض، بحسب محللين، يكشف أن الإغلاق ليس إجراءً مؤقتًا بقدر ما هو أداة لإعادة هندسة العلاقة بين الفلسطينيين والمسجد.

يرى باحثون أن ما يجري يمثل تحولًا في طبيعة التعامل مع الأقصى؛ من كونه مكانًا خاضعًا لإدارة الأوقاف الإسلامية الأردنية، إلى مساحة تسعى إسرائيل لفرض سيادتها المباشرة عليها. ويظهر ذلك جليًا في تقليص دور الأوقاف إلى الحد الأدنى، والسماح فقط لعدد محدود من موظفيها بالدخول، في مقابل توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية داخل الحرم.

إضعاف الوصاية وتكريس السيطرة

أحد أخطر أبعاد الإغلاق يتمثل في تهميش الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى، والتي تُعد ركيزة أساسية في إدارة شؤونه منذ عقود. فاستمرار إقصاء الأوقاف الإسلامية من أداء دورها الكامل يمهد، وفق تقديرات سياسية، لفرض إدارة إسرائيلية أوسع، وربما دائمة، على المسجد ومحيطه.

هذا التحول لا يحدث بشكل مفاجئ، بل عبر خطوات تدريجية ومدروسة، تبدأ بإجراءات “طارئة” تنتهي بترسيخ واقع جديد يصعب تغييره. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الإغلاق الحالي كحلقة ضمن سلسلة تهدف إلى تقليص الوجود الإسلامي الفعلي في الأقصى، مقابل تعزيز حضور المستوطنين.

كما أن منع الحشود الفلسطينية، خاصة في المواسم الدينية، يحمل بعدًا سياسيًا واضحًا، إذ تسعى السلطات الإسرائيلية إلى منع تشكل أي حالة جماعية قد تتحول إلى احتجاج واسع أو انتفاضة شعبية، وهو ما يفسر التشديد غير المسبوق على أبواب المسجد.

سيناريوهات خطيرة تلوح في الأفق

المخاوف لا تتوقف عند حدود الإغلاق، بل تمتد إلى ما يمكن أن يترتب عليه من تغييرات أعمق. فهناك حديث متزايد عن نوايا لفرض تقسيم زماني ومكاني دائم للمسجد الأقصى، على غرار ما حدث في الحرم الإبراهيمي في الخليل. مثل هذا السيناريو، إن تحقق، سيشكل تحولًا جذريًا في وضع الأقصى، ويفتح الباب أمام صراع ديني مفتوح.

إلى جانب ذلك، تتقاطع هذه السياسات مع تصاعد خطاب ديني متطرف داخل إسرائيل، يدعو صراحة إلى تغيير “الوضع القائم” في الأقصى، بل ويتحدث عن إقامة طقوس دينية يهودية داخله. هذا الخطاب، الذي كان يُنظر إليه سابقًا كتيار هامشي، بات اليوم يجد له صدى داخل دوائر صنع القرار، ما يزيد من خطورة المرحلة.

كما أن توقيت الإغلاق، المتزامن مع توترات إقليمية كبرى، يثير تساؤلات حول استغلال هذه الظروف لتمرير مخططات يصعب تنفيذها في أوقات الاستقرار. فحالة الانشغال الدولي والإقليمي قد توفر غطاءً مناسبًا لفرض وقائع جديدة على الأرض دون ردود فعل مؤثرة.

اختبار لردود الفعل العربية والإسلامية

يشير مراقبون إلى أن أحد أهداف هذه الإجراءات هو اختبار ردود الفعل، سواء على المستوى الفلسطيني أو العربي والإسلامي. فكلما كانت ردود الفعل محدودة، زادت احتمالية المضي قدمًا في خطوات أكثر جرأة. وقد أظهرت تجارب سابقة أن السياسات الإسرائيلية في القدس غالبًا ما تتقدم وفق هذا المبدأ التراكمي.

في المقابل، يؤدي استمرار الإغلاق إلى إضعاف الارتباط الروحي والفعلي للمسلمين بالأقصى، وهو ما يشكل خطرًا بعيد المدى. فالعلاقة مع المكان لا تُقاس فقط بالسيطرة السياسية، بل أيضًا بالحضور البشري والتفاعل اليومي، وهو ما تسعى هذه الإجراءات إلى تقويضه تدريجيًا.

خلاصة المشهد

ما يجري في المسجد الأقصى اليوم يتجاوز كونه أزمة عابرة، ليشكل منعطفًا حاسمًا في مسار الصراع على القدس. فالإغلاق الأطول منذ 1967 قد يكون مقدمة لمرحلة جديدة عنوانها فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة، وتغيير هوية المكان بشكل تدريجي.

وبينما تتواصل هذه الإجراءات على الأرض، يبقى السؤال الأهم: هل سيتحول هذا الإغلاق إلى واقع دائم، أم أن الضغوط السياسية والشعبية قادرة على وقفه؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط في القدس، بل في مجمل الصراع في المنطقة.

اقرأ أيضا : تصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين في الكونغرس الأمريكي وسط توترات الحرب مع إيران