عشية انطلاق جولة المفاوضات الحاسمة في “إسلام آباد”، يواجه اتفاق التهدئة بين واشنطن وطهران اختباراً “وجودياً” فوق مياه مضيق هرمز الذي لا يزال مغلقاً فعلياً في وجه الطاقة العالمية. فبينما كان العالم ينتظر انفراجة، صدمت طهران أسواق النفط بنظام “رسوم مرور” غير رسمي يُدار عبر الحرس الثوري، ويشترط دفع مليوني دولار للناقلة الواحدة بالعملات المشفرة أو اليوان الصيني. هذا “الابتزاز السيادي” دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للخروج عن صمته ليلاً بمنشورات غاضبة، متهماً إيران بنقض العهود، في وقت يواصل فيه الاحتلال الصهيوني “حرب الإبادة” في لبنان، محولاً الهدنة المزعومة إلى “محرقة” حصدت أرواح 300 لبناني في 48 ساعة فقط.
“رسوم الحرس الثوري”.. هرمز يتحول إلى “ممر مدفوع” والنفط يشتعل
كشفت منصة “لويدز ليست” عن تفاصيل “الخنق الاقتصادي” الذي تمارسه طهران؛ حيث لم تعبر سوى 12 سفينة خلال يومين مقابل 140 سفينة يومياً قبل الحرب. إيران فرضت “نظاماً موازياً” يفرض 100 دولار “إتاوة” على كل برميل نفط، مما يرفع كلفة عبور الناقلة الكبيرة إلى مليوني دولار، تُدفع بعيداً عن الرقابة الأمريكية (باليوان والعملات المشفرة). المثير للجدل هو استثناء “شركاء طهران” (الهند، باكستان، ماليزيا) من هذه الرسوم، مما يكرس هيمنة إيرانية مطلقة على الشريان الحيوي ويقفز بأسعار التسليم الفوري في أوروبا وآسيا إلى مستويات جنونية لامست 150 دولاراً للبرميل.
غضب ترامب.. “الهدنة الورقية” تصطدم بواقع التضخم الأمريكي
لم يستطع ترامب إخفاء إحباطه من “المراوغة الإيرانية”؛ فمنشوراته التي وصفت أداء إيران بـ “السيئ للغاية” تعكس حجم المأزق الذي تعيشه إدارته. واشنطن التي تترقب اليوم الجمعة بيانات “أسعار المستهلكين” لشهر مارس، تدرك أن استمرار إغلاق هرمز يعني انفجاراً في أرقام التضخم قد يطيح بكل وعود ترامب الانتخابية. عبارة “هذا ليس الاتفاق الذي بيننا” تكشف أن طهران انتزعت هدنة “أمنية” دون أن تمنح واشنطن هدنة “نفطية”، مما يجعل مفاوضات السبت في إسلام آباد محاولة أمريكية أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل الانهيار الاقتصادي.
دماء لبنان.. “مسار منفصل” تحت وطأة القمع الصهيوني
ميدانياً، كشف مسؤول لبناني لـ “رويترز” عن مساعٍ وضغوط لإقرار “وقف إطلاق نار مؤقت” على نموذج الاتفاق الأمريكي-الإيراني، لكن الوقائع على الأرض تتحدث بالدم؛ فمنذ فجر الأربعاء، ارتقى أكثر من 300 شهيد لبناني بنيران الاحتلال الذي يرفض وقف عدوانه. واشنطن تحاول احتواء الموقف عبر اجتماع “سفراء” الأسبوع المقبل، في حين يضع الاحتلال شروطاً تعجيزية مثل “إقالة وزراء حزب الله”، وهو ما يراه مراقبون محاولة صهيونية لتفجير المسار السياسي قبل بدئه، مستغلة غطاء التهدئة مع طهران للاستفراد ببيروت وتصفية حساباتها الميدانية.
“مفاوضات السفراء”.. دبلوماسية “الخط الثاني” لحفظ ماء الوجه
تشير تسريبات “وول ستريت جورنال” إلى أن محادثات واشنطن بشأن لبنان ستكون “تمهيدية” وعلى مستوى السفراء فقط، مما يعكس عدم نضوج الحل الشامل. الاحتلال الإسرائيلي، الذي وعد بـ “تخفيف الهجمات” قبيل المحادثات، يواصل سياسة “الخداع الاستراتيجي”؛ فهو يقتل المدنيين في لبنان بينما يدفع بسفيره لطاولة المفاوضات في واشنطن. هذا التناقض يضع الدولة اللبنانية في موقف صعب، بين حاجتها الماسة لوقف المجازر وبين الشروط الصهيونية التي تتدخل في صلب التكوين السيادي للحكومة اللبنانية.
الخلاصة: “هدنة على كف عفريت”
نحن أمام مشهد “مقايضة إقليمية” معقدة؛ إيران تمسك بخناق الطاقة وتفرض رسوماً “سيادية” لتمويل عملياتها، وترامب يواجه شبح التضخم، والاحتلال الإسرائيلي يغرق لبنان بالدم لتعويض فشله في “وحدة الساحات”. مفاوضات إسلام آباد غداً لن تكون مجرد نقاش دبلوماسي، بل هي “معركة إرادات”؛ فإما أن ينحني ترامب لشروط طهران لفتح المضيق، أو أن تنزلق المنطقة مجدداً لمواجهة شاملة ستكون أسعار النفط فيها أول الضحايا، بينما تبقى دماء 300 لبناني شاهدة على “زيف” الوعود الدولية بالتهدئة.