في تحقيق استقصائي مثير كشفته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، استناداً إلى تقرير منظمة التحليل الأمني “Conflict Insights Group” (CIG)، برزت أدلة قاطعة تضع دولة الإمارات العربية المتحدة في قلب المأساة الإنسانية بمدينة الفاشر السودانية. التحقيق يوثق بالدليل الرقمي تتبع شبكة من المرتزقة الكولومبيين، تم تجنيدهم وتدريبهم داخل الإمارات، ليكونوا القوة الضاربة التي مكنت ميليشيا الدعم السريع من السيطرة على المدينة الاستراتيجية في إقليم دارفور العام الماضي، بعد حصار دام 18 شهراً خلف وراءه فظائع وصفتها الأمم المتحدة بأنها تحمل “سمات الإبادة الجماعية”.

البصمة الرقمية: تتبع الهواتف يفضح مسار المرتزقة

اعتمد التحقيق على تقنيات تجارية متطورة تُستخدم عادةً في استهداف الإعلانات، لتتبع أكثر من 50 هاتفاً محمولاً لمقاتلين كولومبيين بين أبريل 2025 ويناير 2026. هذه الهواتف رسمت مساراً لا يقبل الشك؛ بدأ من كولومبيا مروراً بمطار زايد الدولي في أبوظبي، وصولاً إلى منشأة تدريب عسكرية إماراتيّة في منطقة “الغياثي”.

ويشير التقرير إلى أن الأجهزة المضبوطة باللغة الإسبانية انتقلت لاحقاً من أبوظبي إلى ولاية جنوب دارفور، وتحديداً مدينة نيالا التي تحولت إلى مركز رئيسي لإدارة الطائرات المسيّرة التابعة لميليشيا الدعم السريع. هذا التتبع الرقمي ينسف النفي الإماراتي المتكرر، حيث يصف مدير المنظمة “جاستن لينش” هذه النتائج بأنها “إثبات قاطع” للرابط المباشر بين أبوظبي وميليشيا الدعم السريع، وهو ما كانت الحكومات تعلمه سراً لسنوات.

“ذئاب الصحراء”: لواء كولومبي بإدارة إماراتية

كشف التحقيق عن عمل المرتزقة ضمن وحدة عسكرية خاصة تُعرف باسم لواء “Desert Wolves” (ذئاب الصحراء)، يقوده العقيد المتقاعد “ألفارو كيخيانو” المقيم في الإمارات، والخاضع لعقوبات أمريكية وبريطانية بسبب نشاطه في تجنيد المقاتلين. هؤلاء المرتزقة لم يكونوا مجرد مقاتلين مشاة، بل عملوا كخبراء تقنيين، وطياري طائرات مسيّرة، ومدفعيين، ومدربين لميليشيا الدعم السريع.

المثير للدهشة في التقرير هو “الاستهتار الأمني” لهؤلاء المرتزقة، حيث أطلق بعضهم أسماء وحداتهم القتالية باللغة الإسبانية مثل “ATACADOR” (المهاجم) على شبكات الواي فاي الخاصة بهم داخل الفاشر، وهي شبكات مرتبطة تقنياً بشركة تعمل من داخل الأراضي الإماراتية ولها صلات بمسؤولين كبار في الحكومة، مما يؤكد أن العمليات كانت تُدار بغطاء سياسي ومالي رفيع المستوى.

سقوط الفاشر: الطائرات المسيّرة كمفتاح للإبادة

يؤكد المحللون في منظمة “CIG” أن سقوط مدينة الفاشر، وما رافقه من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لم يكن ليحدث لولا الدعم التقني الذي وفره المرتزقة الكولومبيون. لقد كانت عمليات الطائرات المسيّرة التي أدارها هؤلاء الخبراء القادمين من أبوظبي هي العامل الحاسم في كسر صمود المدينة وإحكام الحصار عليها.

وقد وصف الرئيس الكولومبي “غوستافو بيترو” هؤلاء المقاتلين بـ “أشباح الموت”، معتبراً أن تجنيدهم بهذه الطريقة يمثل شكلاً من أشكال الاتجار بالبشر لصالح الحروب بالوكالة. هذا الدعم الخارجي لميليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات، حوّل النزاع السوداني إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تسببت التكنولوجيا العسكرية المستوردة في قتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين.

امتداد إقليمي: موانئ وقواعد تدعم الميليشيا

لم يقتصر وجود المرتزقة الكولومبيين وهواتفهم المرصودة على السودان فحسب، بل رصد التحقيق نشاطاً لهؤلاء المرتزقة في مواقع إقليمية أخرى تخدم أجندة ميليشيا الدعم السريع. شمل ذلك رصد أجهزة باللغة الإسبانية في ميناء بالصومال مرتبط بالإدارة الإماراتية، وكذلك في مناطق بجنوب شرق ليبيا تعمل كمركز لوجستي لتدفق الأسلحة إلى السودان.

هذا الانتشار الجغرافي يؤكد وجود “شبكة إمداد متكاملة” تبدأ من مراكز التدريب في أبوظبي وتمر عبر قواعد خلفية في ليبيا والصومال، لتصب في نهاية المطاف في يد ميليشيا الدعم السريع. ويخلص التقرير إلى أن الإمارات تتحمل “مسؤولية مشتركة” عن الفظائع المرتكبة، حيث وفرت الغطاء المالي واللوجستي والتقني لمرتزقة أجانب أسهموا بشكل مباشر في تدمير النسيج الاجتماعي السوداني وإسقاط مدنه الكبرى تحت وطأة النيران الموجهة عن بُعد.

اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك؟