في مشهد يعكس تهاوي القبضة الأمنية للمشاريع المناطقية التي ترعاها أبوظبي، بدأت القوات التابعة لما تسمى “المقاومة الوطنية”، بقيادة طارق صالح، انسحاباً واسعاً من مديرية الوازعية الاستراتيجية بريف تعز الجنوبي.
وتأتي هذه التطورات بعد موجة من الغضب القبلي العارم ضد الممارسات القمعية لهذه الميليشيات المدعومة إماراتياً، والتي حولت المنطقة القريبة من مضيق باب المندب إلى ساحة للصراعات المسلحة والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، في إطار الاستراتيجية الإماراتية الهادفة لتمزيق النسيج الاجتماعي اليمني عبر الزج بالميليشيات والتشكيلات الموازية للدولة.

وساطة محلية تنهي سطوة حلفاء أبوظبي في الوازعية
أكدت مصادر محلية أن قوات طارق صالح، أحد أبرز حلفاء الإمارات في الساحل الغربي، بدأت بإخلاء مواقعها في القرى والبلدات التابعة لمديرية الوازعية بعد انتهاء مهلة حددتها قبائل المنطقة. وجاء هذا الانسحاب عقب توترات دامية شهدتها الأسبوعين الماضيين، شنت خلالها هذه القوات حملات مداهمة واعتقالات تعسفية وقصفاً بالطائرات المسيرة، مما أدى إلى مقتل نجل قيادي في المقاومة الشعبية وتدمير عدد من منازل المواطنين.
وقد أفضت الوساطة التي قادها رئيس مجلس النواب، سلطان البركاني، بتكليف من مجلس القيادة الرئاسي، إلى إلزام “اللواء الثالث مغاوير” التابع لطارق صالح بالانسحاب الفوري، وتسليم المواقع لقوات جديدة تحت مسمى “اللواء الأول” بقيادة العميد فهد الصبيحي، في محاولة لانتزاع المديرية من الهيمنة المطلقة لميليشيات صالح التي ظلت لسنوات تعمل كأداة لتنفيذ الأجندة الإماراتية بعيداً عن مؤسسات الدولة الرسمية.
استعادة السيادة الأمنية وإقالة المسؤولين المخالفين للقانون
ولم يقتصر الانسحاب على الجانب العسكري، بل امتد ليشمل تصحيح الانحرافات الإدارية والأمنية التي فرضتها قوات صالح في المنطقة. حيث أصدر وزير الداخلية اليمني، اللواء ركن إبراهيم حيدان، قراراً قانونياً بتعيين مدير أمن جديد لمديرية الوازعية خلفاً للمدير السابق الذي عينه طارق صالح بشكل غير قانوني.
ويرى مراقبون أن هذا القرار يمثل خطوة هامة نحو تعزيز حضور السلطات الرسمية في منطقة تشرف جغرافياً على ممر الملاحة الدولية في باب المندب، بعد أن ظلت المديرية لسنوات “إقطاعية خاصة” تدار بتوجيهات مباشرة من أبوظبي، مما ساهم في عزل المنطقة عن محيطها الإداري في محافظة تعز وتكريس حالة التجزئة التي تسعى الإمارات لفرضها على الخارطة اليمنية.
جرائم الميليشيات: تحويل المنشآت المدنية إلى ثكنات عسكرية
من جانبه، شن الحزب الاشتراكي اليمني (فرع الوازعية) هجوماً لاذعاً على قوات طارق صالح، واصفاً ممارساتها بـ “الحملة الغاشمة” التي استهدفت المدنيين بشكل مباشر. وأشار الحزب في بيان موثق إلى أن هذه القوات ارتكبت انتهاكات صارخة شملت اعتقال الأطفال والمسنين والاعتداء على النساء، بالإضافة إلى إغلاق المرافق الصحية والتعليمية وتحويل المنشآت المدنية إلى ثكنات عسكرية، في مخالفة صريحة لكل القوانين والأعراف الإنسانية.
هذه الممارسات، بحسب ناشطين، هي نتاج طبيعي لسياسة الإمارات التي تعتمد على إنشاء جيوش موازية لا تخضع للمساءلة القانونية، وتعمل على تقويض السلم الاجتماعي لإدامة حالة الفوضى التي تخدم طموحاتها في السيطرة على السواحل والجزر اليمنية الحيوية.
الوازعية وباب المندب: صراع الأجندات وتعاظم المقاومة الشعبية
تكتسب مدينة الوازعية أهمية استراتيجية كبرى لكونها البوابة البرية المطلة على مضيق باب المندب من ناحية اليابسة. ولذلك، سعت الإمارات عبر حليفها طارق صالح لإحكام قبضتها عليها لتأمين نفوذها في البحر الأحمر. إلا أن الصمود القبلي والرفض الشعبي لهذه القوات أثبت فشل الرهان على “الميليشيات المستوردة” لفرض واقع سياسي جديد.
إن مشهد الانسحاب من الوازعية يبعث برسالة قوية مفادها أن سياسة تمزيق اليمن عبر الميليشيات المسلحة تواجه مقاومة وطنية صلبة، وأن محاولات القفز فوق تطلعات السكان المحليين بالترهيب والقصف لن تؤدي إلا إلى المزيد من العزلة لحلفاء أبوظبي، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل بقية المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة هذه التشكيلات غير النظامية.
اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك؟