في تصعيد جديد ضد حرية التعبير داخل المملكة العربية السعودية، أطلقت السلطات السعودية حملة استدعاءات وتحقيقات واعتقالات ضد عشرات المواطنين بعد تداول منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تنتقد البطالة وتعيين أجانب في مناصب إدارية عليا داخل شركات ومشاريع حكومية كبرى.
وبحسب ما أعلنته الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، تم استدعاء 49 شخصًا للتحقيق بعد اتهامهم بارتكاب 68 “مخالفة” عبر الإنترنت، استنادًا إلى بند في نظام الإعلام المرئي والمسموع يجرّم ما تصفه السلطات بـ“الإخلال بالنظام العام والأمن الوطني ومقتضيات المصلحة العامة”.
وجاءت الحملة بعد انتشار منشورات أثارت غضبًا واسعًا بين السعوديين، خصوصًا على منصة LinkedIn، تحدثت عن هيمنة أجانب غربيين “غير مؤهلين” على إدارات وأقسام حساسة داخل مشروع “القدية”، أحد أضخم مشاريع صندوق الاستثمارات العامة السعودي، والذي يُقدَّم باعتباره جزءًا أساسيًا من رؤية محمد بن سلمان الاقتصادية.
ورغم أن السلطات لم تكشف بشكل رسمي عن المنشورات المقصودة، فإن نشطاء ومنظمات حقوقية أكدوا أن الاستدعاءات جاءت على خلفية تداول صور وحسابات لمديرين وموظفين أجانب حصلوا على مناصب عليا داخل المشروع رغم خلفيات مهنية اعتبرها كثير من السعوديين بعيدة تمامًا عن طبيعة الوظائف التي يشغلونها.
ومن بين الأمثلة التي أثارت موجة سخرية وغضب، لاعب كرة قدم سابق من نيوزلاند أصبح مديرًا تنفيذيًا داخل مشروع القدية، إضافة إلى رجل أسترالي كان يعمل مدرب إبحار قبل أن تتم ترقيته خلال سنوات قليلة إلى منصب إداري داخل المشروع نفسه.
ومع تصاعد التفاعل الشعبي، بدأت السلطات في ملاحقة الأصوات المنتقدة بدلًا من معالجة أسباب الغضب أو أزمة البطالة نفسها، في خطوة اعتبرتها منظمات حقوقية امتدادًا لسياسة قمع أي نقاش عام يتعلق بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية داخل المملكة.
وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري حاول تبرير الحملة بالقول إن الحكومة ترحب بـ“النقد الموضوعي”، لكنها تتحرك ضد ما وصفه بـ“التحريض والتضليل”، مؤكدًا أن الأنظمة والقوانين “واضحة جدًا”. إلا أن منتقدين رأوا أن السلطات تستخدم عبارات فضفاضة مثل “الإضرار بالمصلحة العامة” لقمع أي انتقاد يتصل بالبطالة أو سوء الإدارة أو الامتيازات الممنوحة للأجانب داخل المشاريع الحكومية.
وتأتي هذه الحملة في وقت تواجه فيه السعودية ضغوطًا اقتصادية متزايدة، مع تباطؤ بعض المشاريع وتأجيل أخرى بسبب اتساع العجز المالي وتراجع السيولة، إضافة إلى القلق الإقليمي الناتج عن الحرب بين Iran وإسرائيل. وفي مؤشر على حجم أزمة التوظيف، أعلن مسؤولون أن نحو 13 ألف شخص سجلوا للمشاركة في معرض وظائف بمدينة تبوك خلال أيام قليلة فقط.
الباحث أندرو ليبر من جامعة تولين قال إن السلطات السعودية أصبحت “شديدة القلق من الظهور بمظهر العاجز عن توفير وظائف للمواطنين”، معتبرًا أن الحملة تعكس خوف الحكومة من انتشار هذا الخطاب الشعبي على نطاق أوسع.
منظمة “القسط” الحقوقية أكدت من جهتها أن بعض المستخدمين الذين تحدثوا عن تجاربهم في سوق العمل أو أبدوا تعاطفًا مع العاطلين عن العمل تعرضوا لضغوط لإزالة منشوراتهم، مع تحذيرات بعدم تكرار الأمر. ووصفت المنظمة ما يحدث بأنه “تصعيد متزايد ضد حرية التعبير يهدف إلى ترهيب وإسكات أصوات الشباب”.
ولم تكن هذه أول حملة من نوعها، إذ سبق للسلطات السعودية أن أطلقت حملة مشابهة نهاية العام الماضي بعد تصاعد الشكاوى على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة، وشملت حينها اعتقالات وملاحقات.
وفي الوقت الذي تحاول فيه السلطات تصوير بعض النقاشات الإلكترونية على أنها مدفوعة بحسابات وهمية هدفها “إثارة السخط العام”، قالت جيلين يورك من مؤسسة Electronic Frontier Foundation إن وجود حسابات مزيفة – إن صح – لا يلغي حقيقة وجود مظالم حقيقية لدى المواطنين، مؤكدة أن ما يحدث يعكس نمطًا متكررًا من ملاحقة كل من ينتقد سياسات الحكومة أو النتائج التي تسببت بها.
يواجه آلاف السعوديين الآن صعوبة في الحصول على وظائف مستقرة، لكن في المقابل يبدو أن أولوية النظام السعودي لا تتمثل في تمكين الكفاءات المحلية بقدر ما تتمثل في استقطاب أجانب، خصوصًا من الجنسيات الأوروبية والأمريكية، إلى المناصب العليا داخل المشاريع الضخمة التي تمولها الدولة.
ويرى منتقدون أن الأمر لم يعد مجرد سياسة توظيف، بل جزء من استراتيجية أوسع لتبييض صورة النظام وشراء النفوذ والعلاقات داخل العواصم الغربية، عبر منح امتيازات ورواتب ضخمة لأجانب يتم استخدام وجودهم كواجهة “عالمية” للمشاريع السعودية، حتى لو كانت خبرات بعضهم محدودة أو بعيدة عن طبيعة المناصب التي يشغلونها. وفي المقابل، يجد كثير من السعوديين أنفسهم مستبعدين من الفرص داخل المشاريع التي تُموَّل أساسًا من ثروات بلادهم.