يرى مسؤولون أمريكيون وعرب حاليون وسابقون أن محاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إدخال ملف “اتفاقيات أبراهام” إلى المفاوضات الجارية مع إيران لا تعكس قوة الموقف الأمريكي بقدر ما تعكس محاولة لتعويض التنازلات التي تضطر واشنطن إلى تقديمها في المحادثات الحالية، عبر السعي إلى تحقيق إنجاز سياسي أكبر يتمثل في توسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة.

ويقول آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأمريكي السابق في شؤون الشرق الأوسط، إن ترامب يدرك أنه يتجه نحو اتفاق لا ينسجم مع الأهداف التي أعلنها للحرب منذ بدايتها، ولذلك يحاول توسيع إطار الصفقة وتحويلها إلى إنجاز سياسي أكبر. وأضاف أن هذا الأسلوب يمثل أحد الأساليب المعتادة التي يلجأ إليها ترامب عندما يجد نفسه مضطرًا للقبول بتسويات لا تتوافق مع خطابه السابق.

وبحسب ما يجري تداوله في المفاوضات، فإن الاتفاق المقترح سيؤدي إلى تمديد وقف إطلاق النار الهش القائم حاليًا لمدة ستين يومًا إضافية. وفي المقابل ستحصل إيران على إعفاءات من بعض العقوبات المرتبطة بصادرات النفط، كما ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، وهو المضيق الذي تفرض الولايات المتحدة فيه أيضًا ترتيبات عسكرية خاصة بها. لكن الاتفاق لا يتناول برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، رغم أن تقارير أمريكية أفادت بأن القدرات الصاروخية الإيرانية لا تزال تحتفظ بنحو سبعين في المئة من مستواها قبل الحرب.

وكان ترامب قد قدم خلال الحرب تفسيرات متعددة ومتناقضة لأسباب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران. ففي بعض الأحيان قال إن الهدف هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وفي أحيان أخرى تحدث عن تدمير القدرات العسكرية التقليدية الإيرانية، بينما لمح في مناسبات أخرى إلى أن تغيير النظام في طهران كان أحد الأهداف النهائية للحرب.

وفي منشور منفصل على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ترامب إن اليورانيوم الإيراني المخصب سيجري تسليمه إلى الولايات المتحدة لتدميره أو تفكيكه في موقع يتم الاتفاق عليه مع إيران. وقد اعتبر بعض المراقبين أن هذا الطرح يمثل تراجعًا أمريكيًا، خصوصًا مع الحديث عن احتمال إشراك الصين أو روسيا في تنفيذ هذه الترتيبات.

ورغم حديث واشنطن عن اقتراب التوصل إلى اتفاق، فإن وقف إطلاق النار بين الطرفين لا يزال هشًا. فقد اتهمت إيران الولايات المتحدة بارتكاب انتهاكات صارخة للهدنة وتعهدت بالرد بعد تنفيذ غارات أمريكية استهدفت منصات صواريخ وزوارق إيرانية.

ويرى مسؤول أمريكي سابق أن ترامب يتعامل مع دول الخليج وكأنها مدينة له بالامتنان بسبب إنهاء الحرب، وهو ما يفسر محاولته الربط بين وقف الحرب وبين توسيع اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل.

وقال المسؤول إن ترامب يتصرف انطلاقًا من اعتقاد خاطئ مفاده أن الدول التي وجدت نفسها عالقة في حرب أدت إلى تعرض مدنها ومنشآتها الحيوية للقصف الإيراني مطالبة الآن بمكافأته على إنهاء الحرب عبر تقديم تنازلات سياسية، وعلى رأسها التطبيع مع إسرائيل.

وفي هذا السياق دعا ترامب دولًا لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، من بينها السعودية وقطر وباكستان، إلى الانضمام إلى اتفاقيات التطبيع. وجاءت دعوته بعد اتصالات أجراها مع قادة هذه الدول، أعقبها اتصال منفصل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

لكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تركت آثارًا عميقة في دول الخليج العربية التي تعتمد تقليديًا على المظلة الأمنية الأمريكية. فالإمارات والسعودية وقطر حاولت إقناع واشنطن بعدم مهاجمة إيران، لكنها وجدت نفسها في نهاية المطاف تواجه تداعيات الحرب مباشرة، بعد تعرض مدنها ومنشآتها النفطية وقواعد أمريكية على أراضيها لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.

وخلال الحرب قدمت دول الخليج تسهيلات عسكرية إضافية للولايات المتحدة، بما في ذلك توسيع استخدام القواعد العسكرية والسماح بعمليات العبور الجوي. كما أشارت تقارير إلى أن السعودية والإمارات شاركتا في بعض العمليات المرتبطة بالحرب على إيران.

ورغم ذلك، فإن حالة من الاستياء تسود علاقات هذه الدول مع واشنطن. فالإمارات كانت تميل إلى تبني موقف أكثر تشددًا تجاه إيران، بينما فضلت السعودية وقطر الدفع نحو الوساطة والحلول السياسية.

ويقول مسؤولون سابقون وخبراء خليجيون إن الحرب فتحت نقاشات واسعة داخل المنطقة حول مدى إمكانية الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية مستقبلًا، إلا أن ترامب يبدو غير مكترث بهذه المخاوف.

وقد أثار ترامب جدلًا واسعًا عندما قال خلال الحرب إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لم يكن يتوقع أن تحدث هذه التطورات، وإنه أصبح مضطرًا للتعامل معه بطريقة مختلفة، في تصريحات اعتبرها كثيرون تعبيرًا عن نظرته الشخصية للعلاقات مع حلفاء واشنطن.

ويقول المسؤول الأمريكي السابق إن أكثر ما يثير القلق في مقاربة ترامب هو اعتقاده الحقيقي بأن دول المنطقة مدينة له بشيء مقابل إنهاء الحرب.

من جهة أخرى، يرى دبلوماسي عربي أن إثارة ترامب لملف اتفاقيات أبراهام في هذا التوقيت قد تكون محاولة لتقديم مكسب سياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تشير تقديرات عديدة إلى أنه لم يكن متحمسًا لإنهاء الحرب مع إيران.

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فإن تقديم توسيع اتفاقيات التطبيع باعتباره إنجازًا سياسيًا جديدًا قد يساعد نتنياهو في مواجهة الانتقادات الداخلية وتبرير إنهاء الحرب أمام الناخبين الإسرائيليين.

كما يواجه ترامب ضغوطًا من شخصيات جمهورية مقربة من نتنياهو. فقد حذر السيناتور ليندسي غراهام من أن أي اتفاق يسمح للنظام الإيراني بالبقاء قد يؤدي إلى زيادة نفوذ إيران في المنطقة ويؤدي إلى تفاقم الصراعات في لبنان والعراق. كما وصف السيناتور تيد كروز أي اتفاق سلام مع إيران بأنه خطأ كارثي.

وكانت الإمارات والبحرين والمغرب قد أقامت علاقات رسمية مع إسرائيل عام 2020 ضمن اتفاقيات أبراهام التي يعتبرها ترامب أبرز إنجازاته في السياسة الخارجية.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن نتنياهو حريص على إظهار أن إسرائيل ليست معزولة دوليًا. فقد أعلن مكتبه مؤخرًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أجرى زيارة خلال الحرب إلى الإمارات، رغم أن أبوظبي سارعت إلى نفي حدوث الزيارة.

لكن الحرب الأخيرة عمقت الانقسامات داخل الخليج بشأن إسرائيل وإيران. فالإمارات اتجهت أكثر نحو تعزيز شراكتها الأمنية مع إسرائيل، التي أرسلت خلال الحرب بطاريات دفاع جوي من منظومة القبة الحديدية وعناصر لتشغيلها داخل الإمارات. كما كشفت تقارير عن إنشاء صندوق مشترك بين الطرفين لتطوير وشراء أنظمة تسليح جديدة.

في المقابل، أصبحت السعودية أكثر حذرًا تجاه إسرائيل بعد الحرب، رغم الضغوط الأمريكية المتواصلة منذ سنوات لدفعها نحو التطبيع. كما اتجهت الرياض إلى توسيع علاقاتها الدفاعية مع تركيا وباكستان ومصر.

ويرى آرون ديفيد ميلر أن التنافس المتزايد بين السعودية والإمارات يجعل انضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام بصيغتها الحالية أمرًا غير مرجح. وأضاف أنه حتى إذا اتجهت السعودية يومًا ما نحو التطبيع مع إسرائيل، فمن المرجح أن يتم ذلك ضمن إطار مختلف وبشروط مختلفة.

وختم ميلر بالقول إن الإمارات ذهبت بعيدًا في تعزيز علاقاتها مع إسرائيل، لكن من الصعب تصور أن أي دولة خليجية أخرى ستربط نفسها بحكومة إسرائيلية تعد الأكثر تطرفًا ويمينية في تاريخ إسرائيل، في وقت تواصل فيه توسيع الاستيطان في الضفة الغربية وتكريس وجودها العسكري في لبنان.