في تراجع إستراتيجي حاسم يعكس قوة التأثير الاقتصادي للقوى الإقليمية، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تراجعها الرسمي والكامل عن مقترحها المثير للجدل بفرض رسوم مالية بنسبة 20% على شحنات النفط والبضائع العابرة لمضيق هرمز. وجاء هذا التراجع بعد ضغوط دبلوماسية مكثفة واعتراضات قانونية دولية، حيث تم استبدال المقترح بصفقات وتفاهمات تجارية ضخمة تلتزم بموجبها الحكومات الخليجية بتمويل استثمارات وشراكات تجارية كبرى داخل الولايات المتحدة الأميركية، مما نزع فتيل مواجهة اقتصادية كادت تعصف بأسواق الطاقة والملاحة العالمية.
وكان المقترح الأميركي الملغي قد تسبب في موجة اضطراب واسعة النطاق لشركات الشحن البحري، قبل أن تفضي جولات المفاوضات إلى صيغة “البديل الاستثماري” الخليجي لتأمين تدفقات الطاقة دون فرض رسوم عبور أحادية.
1. تفاصيل التراجع الأميركي وصيغة البديل الاستثماري الخليجي
كشفت كواليس المفاوضات الأخيرة عن نجاح العواصم الخليجية في إقناع إدارة ترامب بسحب مقترح “رسوم الحماية” الذي هدد استقرار الممر المائي الأهم في العالم.
وتأسست تسوية إلغاء الرسوم على مرتكزات إستراتيجية واضحة:
-
استبدال الجباية بالشراكة: وافقت إدارة ترامب على إلغاء رسوم الـ 20% بالكامل، مقابل التزام الصناديق والحكومات الخليجية بضخ استثمارات وتمويل شراكات تجارية ضخمة في البنية التحتية والقطاعات الحيوية داخل الأراضي الأميركية.
-
تخفيف الأعباء عن الملاحة: أسهم التراجع الأميركي في تهدئة مخاوف شركات الشحن ووقف القفزات الجنونية في علاوات مخاطر الحرب التي فرضتها شركات التأمين العالمية إبان طرح المقترح.
-
الحفاظ على سلاسل الإمداد: حمى هذا الانسحاب التكتيكي أسواق النفط العالمية من صدمة تضخمية مؤكدة كانت ستنتج عن تحميل المستهلك النهائي كلفة الرسوم الأميركية الملغاة.
2. انتهاك قانون البحار ومخاوف “شرعنة” المعاملة بالمثل
رغم إلغاء المقترح، إلا أن مجرد طرحه من قِبل واشنطن أحدث هزة في المنظومة القانونية المنظمة للبحار والمضائق الدولية.
وقد واجه الطرح الأميركي الأولي تحديات قانونية وسياسية كبرى:
-
رفض المنظمة البحرية الدولية (IMO): سارعت المنظمة إلى رفض الإعلان الأميركي قبل التراجع عنه، مؤكدة أن فرض أي رسوم على العبور الملاحي في الممرات الدولية هو إجراء “غير قانوني” ويتعارض بوضوح مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS).
-
خطر السوابق السيادية المقابلة: حذر خبراء القانون الدولي من أن المقترح الأميركي كاد يمنح الجانب الإيراني مبرراً قانونياً وذريعة لفرض “رسوم سيادية مقابلة” ومعاملة السفن التجارية بالمثل داخل مياهه الإقليمية بالمضيق، مما كان سيشرعن الفوضى الملاحية وينهي حقبة حرية الملاحة تحت غطاء الجبايات المتبادلة.
3. موازين القوى في هرمز وحتمية التسوية الدبلوماسية
أثبتت جولة كسر العظام الاقتصادية القصيرة حول مضيق هرمز أن فرض القرارات الأحادية في المعابر المائية الحاكمة يواجه عقبات عملية تعجز حتى القوى العظمى عن تجاوزها دون تفاهمات إقليمية:
-
قوة الكبح الإقليمي: أكد التراجع الأميركي قدرة الدول الخليجية والمشاطئة للمضيق على حماية مصالحها السيادية والاقتصادية، وإجبار واشنطن على استبدال لغة الإملاءات بلغة الشراكات الاستثمارية المتبادلة.
-
حتمية المسار الدبلوماسي: يرى محللون أن تراجع ترامب والاتفاق على التمويل الخليجي للاستثمارات في أميركا يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية واقتصادية أكثر واقعية لإدارة أزمات المنطقة بعيداً عن التصعيد العسكري أو الاقتصادي المباشر.
-
تأمين حرية الملاحة كأولوية: تبقى سلامة تدفق النفط عبر المضيق مصلحة دولية عليا لا تقبل القسمة على صراعات النفوذ، وهو ما فرض في النهاية العودة إلى الالتزام بقواعد القانون الدولي مع إيجاد حلول مالية بديلة ترضي الإدارة الأميركية الحالية.