انتقل التوتر المتصاعد بين السعودية والإمارات من الملفات السياسية والإقليمية إلى قلب النظام المالي بين البلدين، بعدما كشفت «رويترز» أن الرياض فرضت إجراءات رقابية إضافية على التحويلات المالية المتجهة إلى الإمارات، في خطوة وصفتها مصادر مطلعة بأنها «رسالة دقيقة» إلى أبوظبي وسط خلافات متزايدة بشأن النفط والنفوذ الإقليمي والاستثمارات.

وبحسب ثلاثة أشخاص على دراية مباشرة بالأمر، أبلغ البنك المركزي السعودي البنوك الرئيسية في المملكة في وقت سابق من العام بتطبيق تدقيق مشدد على التسويات المالية مع الإمارات، بما يشبه الإجراءات التي تُطبق عادة على التحويلات المرتبطة بدول مرتفعة المخاطر من حيث غسل الأموال أو التدفقات المالية غير المشروعة.

وأكد ستة رجال أعمال لـ«رويترز» أن تحويلاتهم من السعودية إلى الإمارات تعرضت بالفعل للتأخير أو الإرجاع من البنوك السعودية من دون تفسير واضح، فيما قال مصرفيون إن بعض العمليات باتت تستغرق أسابيع بدل أيام بسبب مرورها عبر مراحل امتثال إضافية.

الإمارات تعامل رقابيًا مثل دول على «القائمة الرمادية»

الأكثر لفتًا أن مصادر «رويترز» قالت إن الإمارات أصبحت تخضع في التحويلات القادمة من السعودية لمستوى إضافي من الرقابة يشبه ما يُطبق على دول مثل لبنان والعراق وجنوب السودان، رغم أن أبوظبي خرجت من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي عام 2024 بعد إجراءات لتعزيز مكافحة غسل الأموال.

ولا يعني ذلك أن السعودية صنفت الإمارات رسميًا دولة عالية المخاطر، كما نفى البنك المركزي السعودي وجود قيود مباشرة على دول بعينها، وقال إن المصارف تطبق قواعد الامتثال والمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

لكن توقيت الإجراء وطبيعته يجعلان قراءته باعتباره مسألة تقنية بحتة أمرًا صعبًا.

«رسالة دقيقة» إلى بن زايد

المصادر المطلعة نفسها وصفت الإجراءات بأنها «رسالة دقيقة» إلى القيادة الإماراتية حول أهمية الحفاظ على العلاقات الجيدة مع الرياض.

وهذه العبارة تكشف البعد السياسي الأهم في القصة: السعودية لا تقطع علاقاتها مع الإمارات، لكنها تستخدم واحدة من أكثر الأدوات حساسية، وهي حركة الأموال، لإظهار أن العلاقة لم تعد بالشكل نفسه الذي كانت عليه خلال سنوات التحالف الوثيق بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد.

فالتحويلات المصرفية تمس الشركات والاستثمارات والمصالح التجارية مباشرة، وأي زيادة في تكلفتها أو زمن تنفيذها يمكن أن تجعل ممارسة الأعمال بين البلدين أكثر صعوبة.

خلاف اليمن خرج إلى العلن

بحسب «رويترز»، برزت الخلافات بصورة أوضح منذ أواخر العام الماضي، مع دعم الرياض وأبوظبي أطرافًا متعارضة في الحرب اليمنية.

ويمثل اليمن واحدًا من أكثر الملفات التي تكشف اختلاف المشروعين السعودي والإماراتي.

فبينما تريد السعودية ترتيبًا يحافظ على دولة يمنية يمكن التعامل معها أمنيًا وسياسيًا على حدودها الجنوبية، دعمت الإمارات خلال السنوات الماضية قوى محلية ومشروعات نفوذ في الجنوب والموانئ والجزر.

وهذا الاختلاف لم يعد خلافًا تكتيكيًا داخل تحالف واحد، بل أصبح تنافسًا على شكل اليمن ومن يمتلك النفوذ الأكبر فيه.

النفط.. معركة أخرى بين الرياض وأبوظبي

النفط بدوره أحد مصادر التوتر.

وتشير المصادر إلى خلافات بشأن حصص الإنتاج داخل أوبك+، وهو ملف سبق أن كشف عن اختلاف المصالح بين البلدين: السعودية تريد الحفاظ على قدرتها على إدارة السوق والأسعار، بينما سعت الإمارات إلى الاستفادة بصورة أكبر من طاقتها الإنتاجية المتزايدة.

وهذا النوع من الخلافات يمس مباشرة أحد أعمدة العلاقة الخليجية، لأن السعودية والإمارات لا تتنافسان فقط سياسيًا؛ بل هما دولتان مصدرتان للنفط تحاول كل منهما تعظيم حصتها وموقعها الاقتصادي.

حرب إيران كشفت اختلافًا آخر

كما اختلفت الرياض وأبوظبي، بحسب التقرير، في طريقة التعامل مع الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، رغم محاولتهما الظهور كجبهة خليجية متماسكة أمام التهديدات الإيرانية.

وهذا مهم لأنه يكشف أن الخلاف لم يعد محصورًا في اليمن أو الاقتصاد.

السعودية تسعى إلى بناء سياسة إقليمية أكثر استقلالًا، تشمل تقاربًا دفاعيًا مع تركيا وباكستان وعلاقات محسوبة مع إيران، بينما نسجت الإمارات شبكة مختلفة تقوم على علاقة أمنية وتكنولوجية شديدة العمق مع إسرائيل والولايات المتحدة.

وبذلك أصبح لكل من الرياض وأبوظبي تصور مختلف لشكل النظام الإقليمي الجديد.

المنافسة على من يصبح مركز الخليج

خلف الخلافات السياسية توجد معركة اقتصادية لا تقل أهمية.

السعودية تريد تحويل الرياض إلى مركز إقليمي للشركات والاستثمارات والخدمات المالية، وأطلقت خلال السنوات الماضية سياسات تستهدف جذب المقار الإقليمية للشركات العالمية.

وهذا المشروع يصطدم مباشرة بموقع دبي، التي بنت على مدى عقود مكانتها باعتبارها مركز الأعمال والتمويل الأول في الخليج.

لذلك فكل شركة تنقل مقرها إلى الرياض، وكل رأس مال يغادر دبي، وكل مشروع إقليمي جديد يتحول إلى ساحة تنافس بين الدولتين.

ومن هذه الزاوية، تصبح تشديدات التحويلات المالية أكثر حساسية؛ لأنها تأتي في وقت تخوض فيه الرياض وأبوظبي بالفعل منافسة على رأس المال والشركات والنفوذ الاقتصادي.

شركات تبحث عن طرق ثالثة

بدأت آثار الإجراءات تظهر على الشركات.

فبحسب مصرفيين تحدثوا إلى «رويترز»، لجأت بعض المؤسسات إلى تمرير المدفوعات عبر دول ثالثة بعدما أصبحت التحويلات المباشرة إلى الإمارات أبطأ وأكثر تعقيدًا.

وهذا مؤشر مهم، لأن انتقال الشركات إلى مسارات مالية بديلة يعني أن الخلاف السياسي بدأ يفرض تكلفة اقتصادية حقيقية على القطاع الخاص.

وكلما طالت الإجراءات، زادت احتمالات أن تعيد الشركات ترتيب طرق الدفع والحسابات والهياكل المالية التي كانت تعتمد تاريخيًا على الإمارات.

لا قطيعة.. لكن مرحلة «الأخ الأكبر» انتهت

مع ذلك، من المبكر الحديث عن قطيعة سعودية إماراتية.

فالاقتصادان متشابكان، والاستثمارات كبيرة، ولا تزال الدولتان تتعاونان في ملفات حساسة، ومنها الجهود المرتبطة بمضيق هرمز وأمن الخليج. ولهذا ترى مصادر مصرفية أن الانفصال الاقتصادي الكامل غير مرجح.

لكن عدم وجود قطيعة لا يعني أن العلاقة بخير.

الأدق أن البلدين انتقلا من مرحلة التحالف شبه الكامل إلى مرحلة المنافسة المنضبطة: تعاون حيث تتقاطع المصالح، وضغط وصراع حيث تختلف.

بن سلمان وبن زايد.. شراكة تحولت إلى منافسة

لسنوات، جرى تصوير محمد بن سلمان ومحمد بن زايد باعتبارهما قطبي محور خليجي واحد.

أما اليوم، فتبدو المعادلة مختلفة.

في اليمن يختلفان، وفي النفط يتنافسان، وفي جذب الاستثمارات يتصارعان، وفي شكل التحالفات الإقليمية يسلك كل منهما مسارًا مختلفًا، والآن تصل الرسائل حتى إلى النظام المصرفي.

وهنا تكمن أهمية تقرير «رويترز»: الخلاف السعودي الإماراتي لم يعد مجرد همسات عن تنافس شخصي بين بن سلمان وبن زايد، بل أصبح له أثر يمكن قياسه في تحويل مصرفي يتأخر، وصفقة تتعطل، وشركة تضطر إلى تمرير أموالها عبر بلد ثالث.

الرياض لا تعلن مواجهة مع أبوظبي، وأبوظبي لا تريد خسارة السعودية، لكن وراء البيانات الدبلوماسية الناعمة تتشكل حقيقة جديدة: الشريكان اللذان حاولا معًا قيادة الخليج بات كل منهما يريد أن يقوده وحده.