كشف تحقيق صحفي عن امتداد أنشطة شبكة المرتزقة المرتبطة بالإمارات إلى قلب العاصمة البريطانية، عبر عملية مراقبة سرية استهدفت الأكاديمي والناشط البريطاني أنس التكريتي عام 2016، ونفذها الإسرائيلي-المجري أبراهام غولان، مؤسس شركة Spear Operations Group التي ارتبط اسمها سابقًا ببرنامج اغتيالات ممول إماراتيًا في اليمن.

وبحسب المواد الواردة في التحقيق، استند كشف العملية إلى شهادات ورسائل إلكترونية ومحادثات عبر «واتساب» وسجلات إماراتية سرية، تشير إلى أن غولان وفريقه أجروا تحضيرات استمرت نحو شهر، تضمنت مراقبة منزل التكريتي وسيارته، وتصوير الطرق التي يسلكها إلى عمله وتحديد موقع مكتبه.

من المراقبة إلى الحديث عن القتل

الأخطر أن الأمر، وفق الشهادات التي يعرضها التحقيق، لم يقتصر على جمع المعلومات.

فقد عمل غولان في بريطانيا إلى جانب عنصر سابق في القوات الخاصة البحرية الأمريكية، بينما تحدث المستشار البريطاني الذي تواصل معه الفريق عن مناقشات تناولت كيفية تحديد موقع التكريتي وتعقبه، ووصلت إلى احتمال تصفيته جسديًا.

وبحسب رواية المستشار، دفعه خوفه من أن يتحول إلى مشارك في مخطط اغتيال إلى الانسحاب من العملية.

وهنا يجب التفريق بين مستويين: المواد المعروضة تشير إلى مناقشة احتمال قتل التكريتي، لكنها لا تثبت بمفردها صدور أمر إماراتي مباشر باغتياله أو وقوع محاولة تنفيذ فعلية.

لماذا أنس التكريتي؟

كان التكريتي يدير «مؤسسة قرطبة» في لندن، فيما تعتبر الإمارات المؤسسة مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وتصنف أبوظبي الجماعة تنظيمًا إرهابيًا. والإعلام الإماراتي الرسمي سبق أن قدم التكريتي باعتباره قياديًا مرتبطًا بالإخوان.

لكن أهمية القضية تكمن في أن التصنيف الإماراتي لخصم سياسي أو ناشط في بريطانيا لا يمنح أبوظبي، بطبيعة الحال، سلطة تنفيذ عمليات أمنية سرية على الأراضي البريطانية.

أموال إماراتية وشركة لها تاريخ في اليمن

اسم أبراهام غولان ليس جديدًا في هذا الملف.

فقد كشفت تحقيقات سابقة أن شركته Spear Operations Group تعاقدت مع الإمارات لتنفيذ عمليات في اليمن، مستعينة بعسكريين أمريكيين سابقين.

وبحسب تقارير منشورة عن تلك العمليات، قال غولان وإسحاق غيلمور إن الحكومة الإماراتية ومحمد دحلان كانا وراء التعاقد مع الشركة، فيما استهدفت إحدى عملياتها القيادي اليمني إنصاف علي مايو.

وتحدث غولان نفسه سابقًا عن برنامج للاغتيالات، بينما كشفت تحقيقات أخرى استمرار تدفقات مالية إلى Spear في سنوات لاحقة. الإمارات، من جانبها، نفت استهداف أشخاص لا علاقة لهم بالإرهاب، وقالت إن عملياتها في اليمن جاءت ضمن مكافحة الإرهاب ووفق القانون الدولي.

من اليمن إلى بريطانيا

وهنا تكتسب عملية لندن خطورتها الحقيقية.

فإذا كانت المعلومات الواردة في التحقيق صحيحة، فإن شبكة مرتبطة ببرنامج عمليات سرية في اليمن لم تبقَ محصورة في ساحة حرب، بل انتقلت إلى دولة غربية لمراقبة مواطن بريطاني بسبب نشاطه ومواقفه السياسية.

والفارق ضخم: نحن لا نتحدث عن متعاقدين عسكريين داخل منطقة حرب، وإنما عن مراقبة منزل وتحركات شخص داخل بريطانيا، مع حديث ـ وفق شهادة مصدر التحقيق ـ عن إمكانية قتله.

الشرطة حذرت التكريتي

ويذكر التحقيق أن الشرطة البريطانية زارت التكريتي لاحقًا وحذرته من وجود خطر محتمل على حياته، من دون أن تكشف له مصدر التهديد.

لكن هذه الجزئية تحتاج أيضًا إلى ضبط: تحذير الشرطة لا يثبت وحده أن مصدر الخطر كان غولان أو الإمارات، وإنما يصبح ذا دلالة عند وضعه إلى جوار بقية المعلومات التي يكشفها التحقيق.

«نموذج أبوظبي» لتصفية الخصوم؟

تكشف القضية نمطًا يستحق التدقيق: اعتبار أشخاص أو حركات سياسية تهديدًا أمنيًا، ثم الاستعانة بشركات ومتعاقدين أجانب للتعامل معهم بعيدًا عن المؤسسات الإماراتية الرسمية.

وفي اليمن، أصبحت القضية اليوم محل مساءلة قانونية أيضًا؛ إذ رُفعت في الولايات المتحدة دعوى ضد غولان ومسؤولين آخرين في Spear تتهمهم بمحاولة قتل خارج نطاق القضاء وجرائم أخرى، وتقول الدعوى إن الإمارات استعانت بالشركة لتنفيذ اغتيالات ضد خصومها المفترضين. وهذه اتهامات قضائية لم يُحسم فيها نهائيًا.

السؤال يصل إلى السيادة البريطانية

إذا ثبت أن عملية لندن كانت ممولة وموجهة إماراتيًا، فإن القضية تتجاوز أنس التكريتي نفسه.

فالسؤال يصبح: هل استخدمت دولة حليفة لبريطانيا مرتزقة أجانب لتنفيذ عملية أمنية سرية ضد مواطن بريطاني داخل لندن؟ ومن كان يتلقى المعلومات؟ وهل كانت المراقبة مقدمة لعملية أكبر؟

وهذا ما يجعل التحقيق شديد الحساسية بالنسبة لأبوظبي. فالصورة التي يرسمها ليست عن نفوذ سياسي أو لوبي أو حملة علاقات عامة، وإنما عن شبكة عمليات سرية تحركت من اليمن إلى شوارع لندن.

والأخطر أن اسم الشركة والرجل اللذين يظهران في قضية التكريتي ليسا مجهولين؛ إنهما مرتبطان أصلًا ببرنامج عمليات واغتيالات في اليمن مولته الإمارات وفق شهادات وتحقيقات صحفية سابقة. وإذا أثبت التحقيق البريطاني أن الشبكة نفسها نُقلت إلى لندن، فنحن أمام قضية تتجاوز التجسس على معارض إلى اتهامات محتملة بانتهاك سيادة دولة حليفة واستخدام المرتزقة لملاحقة خصوم أبوظبي خارج حدودها.