تنتقل المنافسة المتصاعدة بين السعودية والإمارات من الخليج إلى قلب أوروبا، وتحديدًا إلى باريس، بالتزامن مع استعداد فرنسا لاستقبال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في زيارة رفيعة المستوى تستهدف ترسيخ شراكة سعودية–فرنسية أكثر عمقًا في ملفات السياسة والأمن والاستثمار والطاقة.

ويرصد تحقيق Dark Box مؤشرات على أن صعود الرياض داخل العاصمة الفرنسية يثير حساسية خاصة في أبوظبي، التي استثمرت سنوات طويلة ومليارات الدولارات في بناء شبكة واسعة من العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية داخل فرنسا.

فالمسألة بالنسبة إلى محمد بن زايد لا تتعلق بصورة بن سلمان إلى جوار الرئيس الفرنسي أو بمراسم استقبال في الإليزيه، بل بسؤال أكثر أهمية: هل تتحول فرنسا من أحد أهم معاقل النفوذ الإماراتي في أوروبا إلى شريك استراتيجي قوي للسعودية أيضًا؟

باريس.. واحدة من أهم ساحات نفوذ بن زايد

بنت الإمارات داخل فرنسا علاقة تتجاوز الدبلوماسية التقليدية.

فالشراكة بين أبوظبي وباريس تشمل الدفاع والتسليح والأمن والطاقة والاستثمارات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فضلًا عن وجود عسكري فرنسي دائم في الإمارات وحوار استراتيجي مؤسسي بين البلدين.

ومع مرور السنوات، أصبحت فرنسا إحدى أهم بوابات أبوظبي إلى أوروبا.

ولهذا فإن توسع الحضور السعودي في المساحة نفسها يهدد إحدى أهم المزايا التي عملت الإمارات على بنائها: الوصول المتميز إلى دوائر القرار الفرنسي.

السعودية تدخل الملعب الإماراتي

زيارة محمد بن سلمان لا تأتي باعتبارها محطة بروتوكولية عابرة.

الرياض تسعى إلى بناء علاقة استراتيجية طويلة الأجل مع باريس، تشمل الاستثمارات والصناعة والتكنولوجيا والدفاع والطاقة والتنسيق السياسي.

وهذا يعكس تحولًا أوسع في السياسة السعودية؛ فالمملكة لم تعد تقبل بأن تكون أبوظبي هي الوسيط الخليجي الأكثر نفوذًا في العواصم الغربية، بل تتحرك لبناء شبكاتها وتحالفاتها الخاصة بصورة مستقلة.

ومن هنا تنتقل المنافسة بين بن سلمان وبن زايد من اليمن والنفط وجذب الشركات والاستثمارات إلى من يمتلك التأثير الأكبر في باريس ولندن وواشنطن والعواصم الأوروبية الكبرى.

هل تتحرك شبكات مرتبطة بأبوظبي؟

يرصد Dark Box مؤشرات تتعلق بنشاط سياسي وإعلامي وشبكات نفوذ تتقاطع مصالحها مع أبوظبي داخل فرنسا، مع تصاعد الخطاب الناقد للسعودية بالتزامن مع الزيارة المرتقبة لبن سلمان.

لكن التحقيق يضع هنا خطًا مهمًا بين المؤشر والدليل.

فوجود جماعات ضغط وشخصيات ومؤسسات مرتبطة بمصالح إماراتية، أو ظهور حملة إعلامية مناهضة للسعودية، لا يثبت وحده أن الحكومة الإماراتية أصدرت تعليمات بإدارة حملة لإفشال الزيارة.

إثبات ذلك بصورة قاطعة يحتاج إلى ما هو أبعد: تحويلات مالية، عقود ضغط سياسي، مراسلات، تعليمات مباشرة أو شهادات من داخل الشبكة تربط الحملة بأبوظبي.

لكن غياب هذا الدليل القاطع لا يلغي أهمية السؤال، خصوصًا في ظل الحجم الاستثنائي للنفوذ الإماراتي الذي بُني داخل فرنسا.

الهدف ليس إفشال زيارة واحدة

حتى إذا صحت فرضية وجود تحرك إماراتي، فمن الخطأ اختزاله في محاولة إلغاء زيارة بن سلمان أو تخريب صورة إعلامية.

الهدف الأكثر منطقية سيكون منع تحول التقارب السعودي–الفرنسي إلى بنية استراتيجية دائمة.

لأن زيارة تنتهي بعد يوم أو يومين، أما العقود العسكرية، والاستثمارات، وشبكات رجال الأعمال، والعلاقات الأمنية والمؤسسية، فتبقى لسنوات وربما لعقود.

وهنا يكمن مصدر القلق بالنسبة إلى أبوظبي: كل خطوة سعودية ناجحة داخل باريس تقلل من احتكار الإمارات للعلاقة الخليجية المميزة مع فرنسا.

لماذا فرنسا مهمة إلى هذه الدرجة؟

فرنسا ليست مجرد سوق استثمارية.

إنها قوة نووية، وعضو دائم في مجلس الأمن، وأحد أكبر مصدري السلاح في العالم، ولاعب أساسي داخل الاتحاد الأوروبي وأفريقيا والبحر المتوسط.

ولذلك فإن بناء نفوذ داخل باريس يمنح صاحبه أوراقًا في قضايا تتجاوز العلاقات الثنائية إلى ملفات السلاح والطاقة وليبيا والسودان والبحر الأحمر وسوريا وأفريقيا.

ولهذا استثمرت الإمارات طويلًا في علاقتها بفرنسا.

ولهذا أيضًا تريد السعودية أن يكون لها حضور مستقل وموازٍ.

صراع على من يمثل الخليج في أوروبا

لسنوات بدت أبوظبي أكثر قدرة من حجمها الجغرافي على الوصول إلى مراكز القرار الغربية.

لكن صعود السعودية الجديد يهدد هذه المعادلة.

فالرياض تمتلك اقتصادًا وسوقًا وحجمًا سياسيًا لا تستطيع الإمارات منافستهما إذا نجحت السعودية في تحويلهما إلى نفوذ منظم داخل الغرب.

ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من التوتر بين البلدين: بن زايد بنى جزءًا من قوته على ملء فراغ تركته السعودية لسنوات، بينما يعود بن سلمان اليوم لاستعادة المساحات التي شغلتها أبوظبي.

من المنافسة الخليجية إلى حرب اللوبيات؟

إذا ظهرت لاحقًا أدلة تثبت أن جهات مرتبطة بالحكومة الإماراتية موّلت أو أدارت حملات سياسية وإعلامية تستهدف السعودية داخل فرنسا، فسيتغير توصيف القضية جذريًا.

لن نكون وقتها أمام منافسة دبلوماسية طبيعية بين دولتين تبحثان عن النفوذ، بل أمام تصدير الصراع السعودي–الإماراتي إلى العواصم الغربية واستخدام جماعات الضغط والإعلام والوسطاء لمحاصرة المنافس الخليجي.

وهذا سيكون امتدادًا لنموذج أصبحت فيه السياسة الخارجية لدول الخليج لا تتحرك فقط بالسفارات والزيارات الرسمية، بل عبر مراكز الأبحاث وشركات العلاقات العامة واللوبيات والاستثمارات والإعلام.

باريس تختبر العلاقة بين بن سلمان وبن زايد

المعركة الحقيقية إذن ليست حول من يحصل على استقبال أفخم في الإليزيه.

إنها حول من يستطيع تحويل علاقته بفرنسا إلى نفوذ دائم داخل مؤسساتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

الإمارات تدخل هذه المعركة بشبكة متراكمة بنتها على مدى سنوات، بينما تدخل السعودية بثقل اقتصادي وسياسي أكبر ورغبة واضحة في بناء مجال نفوذ مستقل عن أبوظبي.

وهذا ما يجعل زيارة محمد بن سلمان اختبارًا يتجاوز العلاقات السعودية–الفرنسية إلى مستقبل التوازن بين الرياض وأبوظبي نفسها.

فبن زايد أمضى سنوات وهو يبني للإمارات موقعًا يتجاوز حجمها داخل باريس. أما بن سلمان، فيتحرك اليوم لكي يقول إن السعودية لن تسمح بأن تبقى بوابة الخليج إلى فرنسا في يد أبوظبي.

والسؤال الذي يطرحه Dark Box ليس من سيخرج بالصورة الأقوى من الإليزيه، بل: هل تستطيع السعودية انتزاع مساحة استراتيجية مستقلة داخل باريس، أم تتحرك شبكات النفوذ التي بنتها الإمارات لمحاصرة هذا الصعود والحفاظ على فرنسا داخل دائرة المصالح التي رسمها بن زايد طوال السنوات الماضية؟