أثار إعلان ديزني عن مشروعها الجديد في أبوظبي موجة استهجان حقوقية، بعدما اختارت الشركة الأمريكية أن تقدم العاصمة الإماراتية كـ“واحة” للإبداع والمستقبل، في الوقت نفسه الذي تواجه فيه الإمارات اتهامات موثقة بدعم ميليشيا الدعم السريع في السودان، وهي ميليشيا ارتبط اسمها بالقتل الجماعي والاغتصاب والتطهير العرقي وجرائم تحمل سمات الإبادة في دارفور.

القضية بدأت مع ترويج الإمارات رسميًا لاختيار ديزني أبوظبي لإنشاء منتزهها الترفيهي الجديد في جزيرة ياس، بتصميم وصفته ديزني بأنه “Disney أصيل ومميز بطابع إماراتي”. وبحسب إعلان ديزني الرسمي، توصلت الشركة إلى اتفاق مع شركة ميرال لإنشاء منتجع ترفيهي ضخم في أبوظبي، في مشروع تقدمه الإمارات كإنجاز ثقافي وسياحي جديد يعزز مكانتها كوجهة عالمية للترفيه.

لكن خلف هذه الصورة اللامعة، وجّه ناثانييل ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية في كلية الصحة العامة بجامعة ييل ومحاضر في قسم الأوبئة الميكروبية، رسالة استهجان إلى ديزني، محذرًا من أنها تستثمر في دولة وحكومة تواجه اتهامات ذات مصداقية، مدعومة بما وصفه بـ“أدلة جنائية ساحقة”، بالمساعدة المباشرة في ارتكاب الإبادة في دارفور عبر ميليشيا الدعم السريع. وتُظهر بيانات جامعة ييل أن ريموند يقود مختبرًا متخصصًا في توثيق الأزمات الإنسانية، وله عمل طويل في رصد الهجمات على المدنيين في السودان وجنوب السودان باستخدام صور الأقمار الصناعية والتحليل الميداني.

الاستفزاز الأكبر لم يكن في المشروع وحده، بل في اللغة الدعائية التي اختارتها ديزني لتسويق أبوظبي. ففي وثائقي Disney Worldbuilders، قال بوب آيغر إن ديزني “تحب ما تمثله أبوظبي”، متحدثًا عن “إمكاناتها وأحلامها” وكونها مكانًا يتجه إلى المستقبل. كما قدمت الشركة اختيارها للإمارة باعتباره اختيارًا لموقع يجمع الصحراء والواحات والمانغروف والحداثة، لا باعتباره شراكة مع عاصمة لدولة تواجه اتهامات خطيرة بتغذية واحدة من أسوأ الحروب ضد المدنيين في العالم اليوم.

هذه ليست مجرد دعاية سياحية بريئة. عندما تقول شركة بحجم ديزني إنها “تحب ما تمثله أبوظبي”، فإنها لا تبيع تذاكر فقط، بل تمنح شرعية ناعمة لدولة تسعى إلى غسل صورتها عبر الثقافة والترفيه والرياضة والاستثمارات الضخمة. أبوظبي تريد أن تظهر كعاصمة للخيال والإبداع والعوالم السحرية، بينما تشير تقارير حقوقية وقانونية إلى دورها في دعم ميليشيا متهمة بفظائع جماعية في السودان.

وتكشف خطورة هذا التناقض عند النظر إلى ما نشره موقع Just Security في تحليل قانوني موسع حول مسؤولية الإمارات عن الفظائع في السودان. التحليل يضع الإمارات في قلب شبكة الدعم الخارجي لميليشيا الدعم السريع، مشيرًا إلى أن الميليشيا تتلقى أهم دعم عسكري من أبوظبي، بما في ذلك أسلحة ومعدات استخدمت في عملياتها في الفاشر ومناطق أخرى، إضافة إلى تقارير عن طائرات مسيرة صينية الصنع وذخائر حرارية صربية الصنع. كما يناقش التحليل دور المرتزقة الكولومبيين الذين قاتلوا إلى جانب ميليشيا الدعم السريع، عبر شركة مقرها الإمارات هي Global Security Services Group.

الأمر لا يقف عند تقارير تحليلية. فقد قالت هيومن رايتس ووتش إن متعاقدين عسكريين كولومبيين، جرى توظيفهم على ما يبدو عبر شركة إماراتية، مرّوا عبر قواعد عسكرية في الإمارات قبل نشرهم في السودان لدعم ميليشيا الدعم السريع. وذكرت المنظمة أن هؤلاء المتعاقدين عملوا منذ 2024 إلى جانب الميليشيا، في وقت ترتبط فيه هذه الميليشيا بارتكاب فظائع واسعة، بينها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأعمال في الفاشر تحمل “سمات الإبادة الجماعية”.

هنا يصبح سؤال ديزني أخلاقيًا قبل أن يكون تجاريًا: هل يمكن لشركة تبني صورتها على الطفولة والخيال والعائلة أن تتحالف بهذه الحماسة مع دولة يطاردها ملف السودان؟ هل يكفي أن تُغلف أبوظبي نفسها بديزني ومارفل وبيكسار و“العوالم السحرية” كي تختفي صور المدنيين المحاصرين في الفاشر والأبيض، والنساء الناجيات من العنف الجنسي، والأطفال الذين جرى تجنيدهم، والقرى التي أُحرقت ودمّرت؟

تبدو ديزني هنا كجزء من ماكينة تلميع أوسع. الإمارات لا تبحث فقط عن منتزه ترفيهي، بل عن علامة عالمية قادرة على إعادة صياغة صورتها أمام الجمهور الدولي. الرسالة التي تريد أبوظبي تصديرها بسيطة: تعالوا إلى جزيرة ياس، شاهدوا السحر، انسوا السودان. لكن رسالة ريموند والحقوقيين تقول العكس: لا يمكن فصل الاستثمار عن الدم، ولا يمكن تحويل دولة متهمة بتغذية الفظائع إلى “واحة أحلام” بمجرد أن تضع ديزني شعارها على المشروع.

المشكلة أن ديزني لا تتعامل مع الإمارات كدولة عادية فقط، بل تشارك في منحها قصة جديدة. في الوثائقي، تظهر أبوظبي كمساحة طموح ومستقبل وتصميم وإبداع. لكن التقرير الحقوقي والقانوني يقول إن الوجه الآخر لهذه الدولة موجود في السودان: أسلحة، مرتزقة، دعم عسكري، وميليشيا ارتكبت فظائع ضد المدنيين. وبين الصورتين، تختار ديزني الصورة الأسهل والأربح: أبوظبي كما تريد السلطة الإماراتية أن تُرى، لا كما يراها ضحايا الحرب في دارفور.

هذا ما يجعل الاستهجان مبررًا. فديزني لا تستطيع الادعاء بأنها مجرد شركة ترفيهية لا علاقة لها بالسياسة. اختيار موقع بهذا الحجم، في دولة تستثمر بكثافة في غسل صورتها، هو قرار سياسي وحقوقي بامتياز. والشركة التي تبيع “العالم السحري” للأطفال لا يحق لها تجاهل أن شريكها المختار متهم بتسهيل عالم من الفظائع في السودان.

في النهاية، ليست المشكلة أن ديزني تبني مدينة ملاهٍ جديدة. المشكلة أنها تبنيها في أبوظبي في اللحظة نفسها التي تتراكم فيها الأدلة والتقارير حول دور الإمارات في دعم ميليشيا الدعم السريع. وحين يخرج مسؤول حقوقي من جامعة ييل ليحذر الشركة علنًا من الاستثمار في دولة متهمة بالمساعدة في الإبادة في دارفور، يصبح الصمت من ديزني مشاركة في التبييض، لا حيادًا تجاريًا.

ديزني تريد أن تبيع للعالم قصة عن الأحلام والخيال في أبوظبي. لكن السودان يفرض قصة أخرى: لا سحر فوق الدم، ولا مدينة ملاهٍ تستطيع أن تغسل يد دولة من فظائع موثقة، ولا علامة عالمية بحجم ديزني ينبغي أن تتحول إلى واجهة براقة لتلميع أبوظبي بينما يدفع السودانيون ثمن السلاح والمرتزقة والميليشيات.