كشف تقرير حقوقي جديد عن تصعيد واسع في استهداف منظمات المجتمع المدني والنشطاء في تونس منذ عام 2024، عبر الاعتقالات والملاحقات القضائية والتحقيقات المالية وتعليق عمل الجمعيات وتهديدها بالحل، بما أدى إلى تضييق غير مسبوق على المجال المدني الذي نشأ بعد ثورة 2011.

ووثق التقرير ملاحقة ما لا يقل عن 47 شخصاً مرتبطين بمنظمات مجتمع مدني خلال العامين الأخيرين، فيما ظل بعضهم رهن الاحتجاز لأكثر من 14 شهراً، وأُدين 14 شخصاً على الأقل بأحكام سجن، إلى جانب تعليق نشاط ما لا يقل عن 20 جمعية.

وأشار التقرير إلى أن السلطات استخدمت قوانين تتعلق بمساعدة المهاجرين ومكافحة الإرهاب وغسل الأموال لتوجيه اتهامات إلى عاملين في منظمات حقوقية ومدنية، فيما طالت الإجراءات جمعيات تنشط في مساعدة اللاجئين والمهاجرين ومكافحة العنصرية والفساد والدفاع عن حقوق الإنسان.

ومن أبرز الحالات التي أوردها التقرير، الحكم في مارس/آذار 2026 على المدافعة عن حقوق الإنسان سعدية مصباح بالسجن ثماني سنوات وغرامة مالية كبيرة على خلفية اتهامات بجرائم مالية، إلى جانب إدانة خمسة موظفين في منظمات معنية باللجوء بسبب أنشطة مرتبطة بعمل جمعياتهم المسجلة قانوناً.

ولم تقتصر الإجراءات على الأفراد، إذ خضعت جمعيات عديدة لتحقيقات مالية وضريبية، بينما جرى تجميد حسابات مصرفية وإغلاق بعضها أو تقييد التعامل بالعملات الأجنبية. كما واجهت منظمات صعوبات في مراقبة الانتخابات ودخول السجون وتنظيم فعاليات عامة.

ورأى التقرير أن هذه الإجراءات لا تبدو منفصلة أو استثنائية، بل تعكس سياسة ممنهجة لإضعاف المجتمع المدني وإغلاق المساحة المتاحة أمام المنظمات المستقلة، خصوصاً مع استمرار خطاب قيس سعيّد منذ عام 2022 في اتهام بعض الجمعيات والمنظمات غير الحكومية بتهديد السيادة الوطنية.

ودعا التقرير السلطات التونسية إلى الإفراج عن النشطاء والعاملين في المنظمات المحتجزين بسبب عملهم المدني المشروع، ووقف الملاحقات والتحقيقات التعسفية، وإلغاء الأحكام التي صدرت على خلفية النشاط الحقوقي، محذراً من أن استمرار هذا المسار يهدد بإغلاق ما تبقى من المجال العام في تونس.

كما طالب المجتمع الدولي، وفي مقدمته الاتحاد الأوروبي، بممارسة ضغوط حقيقية من أجل وقف القمع وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، في ظل مخاوف متزايدة من تحول القيود المفروضة على الجمعيات إلى أداة دائمة لإقصاء الأصوات المستقلة ومنع أي رقابة مجتمعية على السلطة.