كشف تقرير جديد صادر عن البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان تفاصيل واسعة عن شبكة دعم عابرة للحدود استفادت منها ميليشيا الدعم السريع في مواصلة عملياتها العسكرية، شملت أسلحة ومعدات عسكرية وطائرات مسيّرة وتدريباً ودعماً لوجستياً ومقاتلين أجانب، مع ربط أفراد وكيانات تعمل من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها بأجزاء من هذه الشبكة.

ويحمل التقرير الأممي الرمز A/HRC/63/23، وهو نسخة مسبقة غير محررة مؤرخة في الأول من سبتمبر/أيلول 2026، ومقدمة إلى الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان. واعتمدت البعثة في تحقيقها على مقابلات مع 125 شاهداً وضحية ومصدراً، و33 إفادة مكتوبة، وأكثر من 88 تقريراً ومادة، إضافة إلى التحقق من 58 صورة ومقطعاً مصوراً وعقد أكثر من 40 اجتماعاً مع منظمات وخبراء ومدافعين عن حقوق الإنسان.

وخلص المحققون، وفق معيار «أسباب معقولة للاعتقاد»، إلى أن شبكة مترابطة من خطوط الإمداد الجوية والبرية والبحرية امتدت بين أفراد وكيانات في الإمارات وتشاد وجنوب شرقي ليبيا وإقليم بونتلاند في الصومال، وساعدت في نقل الأسلحة والأفراد والإمدادات العسكرية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الدعم السريع.

وحدد التحقيق تشاد ومدناً في جنوب شرقي ليبيا، إضافة إلى بوصاصو في بونتلاند، بوصفها نقاط عبور وإسناد لوجستي، بينما حصلت البعثة على أدلة تربط أفراداً وكيانات مقرها الإمارات ببعض ترتيبات الإمداد، معتبرة أن هذا الدعم أسهم بصورة مهمة في قدرة ميليشيا الدعم السريع على مواصلة عملياتها في دارفور وكردفان ومناطق أخرى.

أسلحة صينية ومسيّرات متطورة

ويقدم التقرير تفاصيل لافتة بشأن نوعية المعدات التي وصلت إلى ميليشيا الدعم السريع منذ أبريل/نيسان 2025 على الأقل وحتى الاستيلاء على الفاشر وما بعده، مشيراً إلى وجود عتاد تتوافق خصائصه مع معدات سبق تصديرها إلى الإمارات.

ومن بين الأسلحة التي حددها الشهود والمحققون مدافع هاوتزر صينية من طراز NORINCO AH-4 عيار 155 ملم، ومنظومات دفاع جوي من طراز FK-2000، إلى جانب رادارات وعربات مدرعة وسيارات «لاند كروزر» وذخائر وأسلحة وزي عسكري وإمدادات طبية.

ولم تعتمد البعثة على شهادات الأفراد وحدها، إذ تحققت من صور أظهرت مدافع AH-4 ضمن المعدات التي استعادها الجيش السوداني عقب استرداد الخرطوم، كما وثقت وجود منظومات FK-2000 في الدبيبات خلال فبراير/شباط ويوليو/تموز 2026.

كما رصد التحقيق نقل معدات مرتبطة بالطائرات المسيّرة، بينها طائرات استطلاع وهجوم من طراز CH-95، إلى جانب قدرات للحرب الإلكترونية ودعم فني. وتحققت البعثة من حطام مسيّرات تتوافق خصائصها مع منظومات CH-95/FH-95 في الفاشر ونيالا والأبيض.

وبرز مطار نيالا بوصفه إحدى أهم عقد الشبكة، إذ وصف شهود عمليات إنزال صناديق من الأسلحة والذخائر من طائرات وصلت إلى المطار قبل توزيعها على معسكرات ميليشيا الدعم السريع، فيما أفادت معلومات بأن عناصر الميليشيا، بمساندة متعاقدين كولومبيين، أطلقوا منه مسيّرات باتجاه مناطق يسيطر عليها الجيش السوداني.

رحلات من الإمارات ومسارات عبر تشاد وليبيا

وحدد التقرير مواقع داخل تشاد باعتبارها ممراً لوجستياً انتقل عبره الأفراد والإمدادات باتجاه نيالا ومناطق أخرى في دارفور، فيما تحدث شهود لديهم معرفة مباشرة عن رحلات شحن متكررة انطلقت من مواقع في الإمارات إلى تشاد، أعقبها نقل إمدادات عسكرية وأفراد، بينهم متعاقدون أجانب، باتجاه مناطق سيطرة ميليشيا الدعم السريع.

وفي ليبيا، حددت شهادات وصور أقمار اصطناعية ومقاطع جرى التحقق منها بنغازي والكفرة والجفرة كمراكز لاستقبال الأسلحة والعربات والوقود والإمدادات والأفراد قبل نقلهم إلى السودان، مع الإشارة إلى دعم من كتائب تابعة للجيش الوطني الليبي، بينها كتيبة «سبل السلام».

كما حصلت البعثة على أدلة بشأن منشآت تدريب في بنغازي والكفرة تلقى فيها عناصر من ميليشيا الدعم السريع تدريباً فنياً على تشغيل وصيانة أسلحة مختلفة، بمشاركة مدربين أجانب بينهم كولومبيون.

أما بوصاصو، فحددها التقرير كمركز لوجستي ونقطة عبور استخدمها فاعلون خارجيون، بينهم أفراد وكيانات مقرها الإمارات. كما تحدثت المصادر عن رحلات لطائرات شحن من طراز «إليوشن-76» ربطت بوصاصو بالكفرة وبنغازي وتشاد، قبل انتقال الشحنات والأفراد إلى السودان.

نحو ألفي متعاقد كولومبي

ومن أبرز ما يكشفه التحقيق حجم شبكة المتعاقدين العسكريين الكولومبيين الذين عملوا إلى جانب ميليشيا الدعم السريع.

وتراوحت تقديرات عددهم بين 350 وألفي شخص، إلا أن البعثة قالت، استناداً إلى مصادر مستقلة ومعلومات عن استمرار عمليات التجنيد، إن إجمالي عدد المشاركين قد يقترب من ألفي متعاقد.

وتمكنت البعثة من تحديد كيانات رئيسية مسجلة في كولومبيا والإمارات وربطها بالشبكة، وقالت إن هذه الكيانات عملت بصورة وثيقة في عمليات التجنيد والتعاقد والنقل، وصولاً إلى نشر المتعاقدين داخل السودان.

وحدد التقرير العقيد الكولومبي السابق ألفارو أندريس كيخانو بيسيرا، الذي كان مقيماً في أبوظبي، وزوجته كلاوديا فيفيانا أوليفيروس فوريرو، التي تولت تنسيق عمليات التجنيد في كولومبيا. وأشار إلى أن مجلس الأمن أدرجهما على قائمة العقوبات في 28 أبريل/نيسان 2026 بسبب دورهما في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ونشرهم في السودان.

والأكثر حساسية أن شهادات حصلت عليها البعثة أفادت بأنه بعد وصول بعض المتعاقدين إلى دبي أو أبوظبي، جرى نقلهم إلى منشأة ذات طابع عسكري في غياثي داخل الإمارات، حيث تلقوا تدريباً عسكرياً استمر نحو شهرين، إلى جانب عناصر من ميليشيا الدعم السريع وبإشراف مدربين من دول مختلفة.

وشمل التدريب، وفق الإفادات، تشغيل المسيّرات ومنظومات النيران غير المباشرة وأنظمة الدفاع الجوي وغيرها من الأسلحة المتطورة، قبل انتقال المتعاقدين عبر مسارات مختلفة إلى السودان.

الكولومبيون في معركة الفاشر

ولم تقتصر مهمة المتعاقدين على التدريب، إذ تفيد الشهادات بأنهم أدوا دوراً مباشراً في تشغيل وصيانة طائرات الاستطلاع والهجوم والمسيّرات الانتحارية، إلى جانب المدفعية ومنظومات الدفاع الجوي والأسلحة المتقدمة، فضلاً عن تقديم خدمات استخباراتية وفنية.

وتمركز عدد كبير منهم في نيالا ومطارها، وقال التقرير إنه في بعض الحالات ظل الكولومبيون مسؤولين بأنفسهم عن تشغيل وصيانة منظومات المسيّرات بسبب عدم توافر الخبرة الفنية المطلوبة لدى عناصر ميليشيا الدعم السريع.

كما أشارت مصادر متعددة إلى وجود متعاقدين كولومبيين، وخاصة عناصر «كتيبة ذئاب الصحراء»، داخل الفاشر ومحيطها قبل سيطرة ميليشيا الدعم السريع على المدينة وأثناءها وبعدها، لدعم العمليات العسكرية الرامية إلى السيطرة عليها.

وتكتسب هذه النقطة خطورة خاصة بالنظر إلى ما سبق أن وثقته البعثة من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وسلوك يحمل سمات الإبادة الجماعية خلال العمليات في الفاشر، ما يفتح الباب أمام أسئلة قانونية بشأن مسؤولية الجهات التي قدمت الدعم مع علمها باحتمال استخدامه في ارتكاب انتهاكات دولية.

الإمارات تنفي.. والبعثة تقول إن الأدلة تثير مخاوف جدية

وقدمت الإمارات للبعثة ردوداً مكتوبة وعقدت معها اجتماعات خلال فبراير/شباط ويونيو/حزيران 2026، ونفت بصورة قاطعة تقديم أي دعم عسكري أو لوجستي أو مالي أو سياسي لميليشيا الدعم السريع.

وأكدت أبوظبي أنها لم تزود أي طرف بالسلاح أو الذخيرة، ولم تجند أو تمول أو تسهل انتقال مقاتلين أجانب إلى السودان، واعتبرت الاتهامات المتعلقة بنقل الأسلحة والمرتزقة ودعم ميليشيا الدعم السريع قائمة على معلومات غير موثوقة، ووصفتها بأنها جزء من حملة إعلامية تقودها السلطات السودانية في بورتسودان.

لكن البعثة قالت، بعد النظر إلى مجمل الأدلة التي جمعتها، إن أفراداً وكيانات تعمل من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها أدوا دوراً مهماً في شبكات شاركت في تجنيد المتعاقدين العسكريين الأجانب وتمويلهم ونقلهم ونشرهم، إضافة إلى تقديم دعم ذي طبيعة عسكرية استفادت منه ميليشيا الدعم السريع.

وأضاف المحققون أن بعض هذه الأنشطة استمر لفترة طويلة وشمل كيانات مسجلة داخل الإمارات وعمليات جرت ضمن نطاق اختصاصها، مطالبين أبوظبي باتخاذ إجراءات أكثر قوة للتحقيق في الشركات والوسطاء والأفراد المشاركين في هذه الأنشطة ومنعها ووقفها عند ثبوتها.

ليس اتهاماً مباشراً للدولة الإماراتية

ومع خطورة النتائج، يميز التقرير قانونياً بين إثبات أن الدولة الإماراتية نفسها سلحت ميليشيا الدعم السريع وبين وجود أفراد وشركات ووسطاء يعملون من الإمارات أو مسجلين فيها أو مرتبطين بها ضمن شبكة الدعم.

فالبعثة لم تصغ استنتاجها باعتباره حكماً نهائياً بمسؤولية الحكومة الإماراتية المباشرة عن عمليات نقل السلاح، وإنما قالت إن الأدلة توفر «أسباباً معقولة للاعتقاد» بوجود شبكة عابرة للحدود، وإن الأنشطة التي وقعت داخل نطاق اختصاص الإمارات تستوجب تحقيقاً وإجراءات أكثر قوة من جانبها.

وهذا التمييز لا يقلل من أهمية التقرير، بل يحدد بدقة ما أثبته التحقيق وما لا يزال يحتاج إلى مزيد من التحقيق، خصوصاً أن البعثة أثارت بصورة منفصلة مسألة المسؤولية المحتملة للشركات والوسطاء والأفراد الذين يقدمون، عن علم، مساعدة تسهم بصورة جوهرية في ارتكاب جرائم دولية.

وخلصت البعثة إلى أن الدعم الخارجي أسهم في استمرار القدرات العسكرية لأطراف الحرب، وأن خطورته تصبح أكبر عندما يتعلق بعمليات ميليشيا الدعم السريع في دارفور والفاشر.

ودعت إلى إنفاذ حظر السلاح المفروض على دارفور، وتتبع عمليات نقل المسيّرات والأسلحة والمكونات والمساعدة الفنية، والتحقيق مع الشركات والأفراد المشاركين في الدعم العسكري غير المشروع وفرض عقوبات محددة الهدف عند الاقتضاء.

كما طالبت مجلس الأمن بتوسيع حظر السلاح ليشمل السودان بأكمله، في وقت ترسم فيه نتائج التحقيق صورة لحرب لم تعد تعتمد فقط على القوى المحلية، وإنما على شبكة دولية من السلاح والمال والمرتزقة والمسارات الجوية والبرية والبحرية التي ساعدت ميليشيا الدعم السريع على الحفاظ على قدراتها القتالية ومواصلة عملياتها رغم سنوات الحرب والانتهاكات الواسعة بحق المدنيين.