أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية، في ٣ أكتوبر ٢٠٢٦، بياناً غامضًا يحذّر من تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، ومن امتداد تداعياته إلى منطقة القرن الأفريقي بأكملها. دعا البيان البلدين إلى احترام سيادة جيرانهما ووحدة أراضيهم، وضبط النفس والعودة إلى إطار السلام الذي اتفقا عليه عام ٢٠١٨، مؤكداً أن المنطقة لا تحتمل حرباً جديدة وكارثة إنسانية أخرى، وأن اندلاع الصراع يهدد التعاون الأمريكي مع الدولتين.
جاء التحذير بصياغة عامة لا تحدد الأفعال التي دفعت واشنطن إلى إصداره، ولا تشرح المسؤوليات عن التصعيد أو دور الأطراف الخارجية في موازين القوة. وغاب عنه اسم الإمارات، رغم أن أبوظبي بنت خلال سنوات نفوذاً مالياً وعسكرياً في إثيوبيا، واستخدمت الأراضي الإريترية قاعدة لحرب اليمن، ووسّعت مصالحها حول الموانئ والممرات البحرية التي تتنافس عليها دول المنطقة.
هذا الغياب يجعل البيان قاصراً عن شرح الأزمة التي يحذّر منها؛ فالدعوة إلى احترام الحدود تحتاج أيضاً إلى مساءلة السياسات التي حوّلت تلك الحدود إلى مسارات للأسلحة والمقاتلين، وربطت النزاعات المحلية بحسابات دول تملك المال وأدوات التدخل، بينما يتحمل السكان نتائجها.
بدأ التصعيد الدبلوماسي الأخير في الأول من أكتوبر، عندما أعلنت إثيوبيا إغلاق سفارتها في أسمرا وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، وردّت إريتريا بقطع العلاقات. سبق ذلك تجدد القتال بين القوات الإثيوبية وتحالف معارض تقوده الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، واتهام أديس أبابا إريتريا والسودان ومصر بدعم هذا التحالف، وهو ما نفته الدول الثلاث. وبذلك صدر البيان الأمريكي بعد انهيار العلاقات بين دولتين تشتركان في حدود طويلة وتاريخ من الحروب.
لفهم خطورة هذه القطيعة، يجب العودة إلى التحول الذي طرأ على العلاقة بين الجارين. ففي حرب تيغراي بين عامي ٢٠٢٠ و٢٠٢٢، قاتلت القوات الإريترية إلى جانب الحكومة الإثيوبية، ثم انتهت الحرب باتفاق سلام في نوفمبر ٢٠٢٢. واليوم تتبادل الدولتان الاتهامات وسط مخاوف من انتقال الصراع الإثيوبي الداخلي إلى مواجهة إقليمية، بعدما تآكلت المصالح التي جمعت قيادتيهما خلال الحرب السابقة.
يتداخل هذا الانقلاب في التحالفات مع قضية الوصول إلى البحر. أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة بعد استقلال إريتريا عام ١٩٩٣، وأعاد رئيس الوزراء آبي أحمد طرح المنفذ البحري باعتباره أولوية استراتيجية، مع اهتمام بميناء عصب الإريتري. وأثارت هذه التوجهات مخاوف أسمرا من أن يتحول مطلب اقتصادي إلى ضغط على سيادتها، كما أثار مسار إثيوبيا نحو اتفاق بحري مع أرض الصومال خلافاً مع الحكومة الصومالية.
هنا تظهر أهمية الدور الإماراتي؛ فأبوظبي ترتبط بالحكومة الإثيوبية بعلاقات تتجاوز التجارة المعتادة، وتمتلك خبرة عسكرية سابقة في عصب نفسها، إلى جانب مصالح ساحلية تجعلها معنية بنتائج الصراع على الوصول إلى البحر.
في ١٥ يونيو ٢٠١٨، وبعد أسابيع من تولي آبي أحمد رئاسة الحكومة، أعلنت الإمارات تعهدات بمساعدات واستثمارات تبلغ ثلاثة مليارات دولار، بينها مليار دولار لإيداعه في البنك المركزي الإثيوبي لمواجهة نقص حاد في النقد الأجنبي. وجاء الإعلان عقب لقاء آبي أحمد بمحمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي آنذاك، فيما خُصص الملياران الآخران لاستثمارات في السياحة والطاقة المتجددة والزراعة، وفق مسؤول إثيوبي تحدث إلى «رويترز».
منح هذا الدعم أبوظبي موقعاً مؤثراً لدى حكومة كانت تواجه ضغوطاً اقتصادية شديدة، ثم اتسعت العلاقة لتشمل الدعم العسكري. وتضع التغطية الصحفية للتصعيد الراهن الإمارات وتركيا ضمن داعمي الحكومة الإثيوبية، في وقت تتداخل فيه المواجهات الداخلية مع حسابات الجيران ومخاوف اتساع الحرب. وهنا تكمن المسؤولية السياسية عن التسليح: الدولة التي تساعد طرفاً على تعزيز قدرته القتالية تصبح مطالبة بتفسير أثر هذا الدعم على النزاع وحماية المدنيين، خصوصاً عندما يعود القتال بعد تسوية لم تعالج جذوره.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، يكشف تاريخ قاعدة عصب أن التدخل الإماراتي في القرن الأفريقي اتخذ شكلاً عسكرياً مباشراً. أنشأت الإمارات القاعدة عام ٢٠١٥ واستخدمتها لنقل أسلحة ثقيلة وقوات سودانية إلى اليمن. وفي فبراير ٢٠٢١، أظهرت صور أقمار صناعية حللتها وكالة «أسوشيتد برس» إزالة معدات وتفكيك منشآت، بالتزامن مع تقليص الانخراط الإماراتي المباشر في حرب اليمن.
توضح هذه الوقائع كيف أدخلت أبوظبي الساحل الإريتري في منظومة حرب تتجاوز أفريقيا إلى الضفة المقابلة من البحر الأحمر. أما تفكيك أجزاء من القاعدة فلا يسمح بافتراض استمرارها اليوم بالحجم والوظيفة نفسيهما؛ الدلالة المثبتة هي أن الإمارات سبق أن استخدمت الموقع الاستراتيجي لإريتريا لخدمة تدخلها العسكري في دولة أخرى، ثم أعادت ترتيب وجودها وفق احتياجاتها.
وتزداد خطورة المشهد عند الانتقال إلى السودان. ففي تحقيق نشرته «رويترز» في ١٠ فبراير ٢٠٢٦، قالت ثمانية مصادر إن الإمارات موّلت إنشاء معسكر داخل إثيوبيا لتدريب مقاتلي ميليشيا الدعم السريع، وقدّمت مدربين ودعماً لوجستياً. واطلعت الوكالة على مذكرة أمنية إثيوبية وبرقية دبلوماسية تتضمنان معلومات مماثلة، مع تأكيدها أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من الدور الإماراتي أو غرض المعسكر. ونفت أبوظبي المشاركة في الحرب.
تضيف هذه المعلومات بعداً بالغ الخطورة إلى العلاقة الإماراتية الإثيوبية، لأنها تضع الأراضي الإثيوبية ضمن اتهامات محددة تتعلق بإسناد قوة مسلحة تقاتل في السودان. وعندما تتجاور حرب داخل إثيوبيا مع شبكات تعبئة مرتبطة بحرب سودانية، تصبح احتمالات انتقال العنف مرتبطة بوجود بنية تسمح بتحريك الرجال والمعدات عبر الحدود، وتتجاوز مجرد الخلافات الدبلوماسية بين العواصم.
وفي تفسيرها لخطر الحرب الإقليمية، ربطت «رويترز» في ٢ أكتوبر بين التنافس السعودي الإماراتي وتحالفات القرن الأفريقي؛ فأبوظبي تدعم إثيوبيا، ولها مصالح في أرض الصومال وبونتلاند تتصل بإمكانات الوصول الإثيوبي إلى البحر، بينما ترتبط السعودية بعلاقات مع مصر وإريتريا والجيش السوداني. كما أوردت الوكالة اتهامات دعم الإمارات لميليشيا الدعم السريع، التي تنفيها أبوظبي.
تكشف هذه الخريطة سبب قصور معالجة الأزمة باعتبارها توتراً ثنائياً بين أديس أبابا وأسمرا. فكل حكومة تتحرك داخل شبكة من الداعمين والخصوم والمصالح البحرية، وأي تصعيد في إحدى الجبهات يؤثر في حسابات الجبهات الأخرى. وبالنسبة إلى الإمارات، تتراكم أدوات النفوذ من التمويل الحكومي إلى الدعم العسكري والمصالح الساحلية، بما يمنحها قدرة على التأثير تتطلب مساءلة تناسب حجمها.
تدافع أبوظبي عن هذا الدور بالقول إنها توفر استثمارات وأمناً تحتاج إليهما الدول الأفريقية وتطلبهما قياداتها، وفق تصريح مسؤول إماراتي نقلته «رويترز». لكن تقييم هذه السياسة يجب أن ينطلق من نتائجها أيضاً: مدى مساهمتها في خفض التوتر، وطبيعة القوى التي تدعمها، وما إذا كان الدعم العسكري يساعد على تسوية النزاعات أو يمنح أطرافها وسائل إضافية للاستمرار فيها.
لا تثبت الوقائع المتاحة أن الإمارات أصدرت أمراً بإشعال المواجهة الإثيوبية الإريترية، لكنها تثبت أن حضورها المالي والعسكري جزء أساسي من البيئة التي تتصاعد فيها الأزمة. وهذا هو موضع المساءلة الذي تركه البيان الأمريكي خارج الصورة: كيف يمكن التحذير من اتساع الحرب من دون مناقشة مصادر القوة التي تغذي أطرافها، أو مطالبة الداعمين الخارجيين بكشف طبيعة مساعداتهم وضمان عدم استخدامها لتوسيع الصراع؟
يبقى احترام السيادة الذي طالبت به واشنطن ناقصاً إذا اقتصر على مخاطبة الدول المتجاورة، بينما تُترك شبكات التمويل والتسليح العابرة للحدود بعيداً عن الفحص. والإمارات، بحجم تدخلها وعلاقاتها ومصالحها، يجب أن تكون في مقدمة الأطراف المطالبة بتقديم إجابات عن أثر سياساتها في أمن القرن الأفريقي، بدلاً من الاكتفاء بتقديم نفوذها باعتباره استثماراً وتنمية.