بينما ينشغل العالم بالحروب الدبلوماسية وحسابات التحالفات، يواجه أطفال قطاع غزة موتًا بطيئًا، لا بصاروخ ولا بغارة جوية، بل بلقمة مفقودة وقطرة حليب غائبة. المجاعة التي تتسلل بصمت إلى أمعاء الأطفال وقلوب أمهاتهم، لم تعد مجرد أزمة إنسانية، بل باتت سلاحًا آخر في حرب الإبادة الجماعية التي تُمارَس ضد المدنيين الفلسطينيين المحاصرين.

أرقام مرعبة تكشف الكارثة
وفقًا لإحصاءات حكومة غزة، بلغ عدد الأطفال الذين قضوا جراء سوء التغذية والمجاعة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أكثر من 66 طفلاً، وهو رقم مرشح للارتفاع في ظل استمرار الحصار الخانق على القطاع ومنع إدخال المساعدات، خاصة حليب الأطفال والأغذية الأساسية. هؤلاء الأطفال لم يموتوا دفعة واحدة في مجزرة صاخبة، بل انسحبوا من الحياة بصمت مؤلم، ضعفًا بعد ضعف، في ظل عجز طبي ومجتمعي خانق.
وفي أحدث تحذير، قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس إن نحو 112 طفلًا فلسطينيًا يدخلون المستشفيات يوميًا للعلاج من سوء التغذية، وهو ما يعكس حجم الأزمة المتفاقمة. لكنه أشار إلى ما هو أخطر: أن كثيرًا من الأطفال لا يصلون أصلاً إلى المستشفيات، إما لعدم توفر المواصلات أو لانعدام الوقود أو لأنهم ينهارون في مخيمات النزوح بلا منقذ.
المجاعة كسلاح ممنهج
بحسب بيان لحركة حماس، فإن ما يحدث في غزة “ليس نقصًا عابرًا في الطعام بل سياسة ممنهجة للتجويع”، متهمة حكومة الاحتلال الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو باستخدام المجاعة كأداة حرب، عبر فرض حصار مطبق ومنع إدخال الغذاء والدواء، وتدمير شبكات المياه والصرف الصحي، واستهداف مخازن الأغذية والمزارع والأسواق.
هذا التجويع الجماعي يتعارض مع كل المواثيق الدولية، التي تجرّم استخدام الغذاء كسلاح، وتوجب حماية المدنيين والأطفال في أوقات النزاع، وفقًا لاتفاقية جنيف الرابعة. ومع ذلك، فإن إسرائيل –وفق حماس– تتصرف بثقة لأنها تدرك أن الإدارة الأميركية توفر لها الغطاء السياسي والعسكري، وتحول دون محاسبتها أو إخضاعها لأي مساءلة حقيقية.
في مارس/آذار الماضي، أغلقت إسرائيل معبر كرم أبو سالم بشكل شبه كامل، ولم تسمح إلا بدخول عشرات الشاحنات يوميًا من أصل 500 شاحنة كان القطاع يحتاجها قبل الحرب. هذا الإغلاق أدى إلى تراكم مئات الشاحنات المحملة بالمساعدات عند المعابر، وتحولها إلى “مخازن مؤقتة للأمل الممنوع”.
أمثلة من قلب المأساة
هالة، رضيعة لم تتجاوز شهرها الثامن، لفظت أنفاسها الأخيرة في مستشفى الشفاء بسبب فشل أعضاء جسدها الهزيل نتيجة الجفاف وسوء التغذية. لم تتمكن والدتها من العثور على حليب أطفال في السوق، وكان الحليب الصناعي المتوفر في السوق السوداء يباع بأضعاف ثمنه الأصلي، إن وُجد أصلًا.
رائد، طفل في الثالثة، كان يعتمد على وجبة يومية من العدس المخلوط بالماء. ومع اشتداد الحصار، فقدت عائلته حتى هذا الحد الأدنى. بدأت عليه علامات الهزال، وتوقفت أطرافه عن النمو بشكل طبيعي، قبل أن يدخل في غيبوبة قصيرة انتهت بموته في أحد مراكز الإيواء المؤقتة.
صفاء، طفلة أخرى، كانت تزن 10 كيلوغرامات فقط في عمر خمس سنوات. نُقلت إلى مستشفى ناصر بخان يونس وهي في حالة حرجة. عجز الأطباء عن إنقاذها، لا لقصور طبي، بل لانعدام المحاليل والمكملات الغذائية التي تحتاجها.
هذه ليست حالات فردية، بل قصص يومية تتكرر في جميع أنحاء غزة، حيث بات الجوع سببًا رئيسيًا للوفاة بين الأطفال، إلى جانب القصف والمرض.
الرد الدولي: شجب بلا فعل
رغم مناشدات منظمات أممية بضرورة إدخال المساعدات فورًا، تواصل إسرائيل تشديد الحصار، فيما تكتفي معظم الحكومات بإصدار بيانات إدانة لا تُترجم إلى إجراءات فاعلة. محكمة العدل الدولية طالبت بوقف الإبادة، لكن إسرائيل مضت في خطتها، غير مكترثة بالشرعية الدولية أو الرأي العام.
في ظل هذا الصمت، دعت حركة حماس الدول العربية والإسلامية إلى التحرك الفوري لكسر الحصار وإنهاء سياسة التجويع التي تستهدف الأطفال أولًا، وتفكك المجتمع الفلسطيني من الداخل. وطالبت بإدخال المساعدات بشكل عاجل ومن دون قيود، بما يشمل الحليب والأدوية والمعدات الطبية.
خاتمة: المجاعة كجريمة ضد الإنسانية
المجاعة في غزة ليست نتيجة كارثة طبيعية ولا نقص عالمي في الغذاء، بل هي فعل متعمد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية. استخدام الطعام كسلاح ضد الأطفال يضع إسرائيل في موضع الاتهام المباشر بانتهاك اتفاقيات جنيف وميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية.
وفي غياب الإرادة الدولية، تبقى أجساد الأطفال الهزيلة هي الشاهد الصامت على فشل الإنسانية في اختبار غزة، وصرخة جوعهم رسالة إلى ضمير عالمي خذلهم مرارًا.
اقرأ أيضًا : محمد العيسى يدعم الاحتلال ويروّج للتطبيع باسم “الحوار والتفاهم