في مشهدٍ يعكس تصعيداً جديداً في وتيرة العسكرة الإسرائيلية بالضفة الغربية، بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي صباح اليوم الاثنين مناورات عسكرية واسعة النطاق تمتد على مدار ثلاثة أيام، تشمل مختلف مناطق الضفة الغربية والأغوار وحتى الحدود مع الأردن، وسط تحذيرات من أن هذه التدريبات ليست سوى تمهيدٍ لجولة جديدة من القمع والتهجير، في ظل استمرار السلطة الفلسطينية في سياسة “الصمت والتنسيق الأمني”.

مناورات بحجم الحرب

أعلن الجيش الإسرائيلي أن المناورات، التي انطلقت فجر اليوم، تهدف إلى “رفع الجاهزية العملياتية واستخلاص الدروس من معارك السابع من أكتوبر 2023”، وهي المناسبة التي تستخدمها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لتبرير كل إجراءاتها العدوانية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتشارك في التدريبات فرقتان عسكريتان من جيش الاحتلال إلى جانب وحدات من سلاح الجو، وجهاز الأمن العام (الشاباك)، والشرطة الإسرائيلية. وتشمل التدريبات محاكاة لسيناريوهات “تسلل مسلحين فلسطينيين نحو المستوطنات” أو “هجمات منسقة ضد الحواجز الإسرائيلية”.
ومن المتوقع أن تشهد الطرق المؤدية إلى مدن مثل نابلس وجنين والخليل وأريحا حركة عسكرية مكثفة، مع انتشار واسع للدوريات والمركبات العسكرية، فيما حذّرت سلطات الاحتلال السكان من “اضطرابات مرورية مؤقتة”، في تكرارٍ لمشهدٍ يتعمد إذلال الفلسطينيين تحت ذريعة الأمن.

ضفة مشتعلة وغزة تنزف

تأتي هذه المناورات في وقت تعيش فيه الضفة الغربية على وقع تصعيدٍ غير مسبوق منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، إذ تحولت مدن مثل جنين وطولكرم إلى ساحات اشتباكٍ يومية، فيما تواصل قوات الاحتلال عمليات الاقتحام والاعتقال والتصفية الميدانية.
ووفق الإحصاءات الفلسطينية، فقد استشهد أكثر من 1069 فلسطينيًا في الضفة والقدس منذ ذلك التاريخ، وأصيب نحو 10 آلاف آخرين، بينهم مئات الأطفال والنساء، بينما تجاوز عدد المعتقلين 20 ألفًا، منهم 1600 طفل.
أما في قطاع غزة، فرغم إعلان وقف لإطلاق النار في 10 أكتوبر الماضي، فإن إسرائيل تواصل خرق الاتفاق يومياً عبر الغارات والقصف المدفعي، مما أدى إلى استشهاد وجرح مئات المدنيين مجددًا.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحرب الإسرائيلية على القطاع خلّفت أكثر من 69 ألف شهيد و170 ألف جريح، معظمهم من النساء والأطفال، إلى جانب دمارٍ شاملٍ قدّرت تكلفة إعادة إعماره بنحو 70 مليار دولار، في وقتٍ يعيش فيه أكثر من 80% من السكان نازحين داخل القطاع المدمّر.

عباس.. صمتٌ يُفسَّر خيانة

ورغم هذا التصعيد العسكري، تلتزم السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس صمتًا مطبقًا، بل وتواصل تنسيقها الأمني مع الاحتلال، الأمر الذي أثار موجة غضبٍ شعبي متزايدة.
ففي الوقت الذي تحشد فيه إسرائيل آلاف الجنود وتجري مناورات هجومية داخل المدن الفلسطينية، لا تزال الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة تلاحق النشطاء المقاومين، وتمنع المظاهرات المناهضة للاحتلال.
ويرى محللون فلسطينيون أن هذا الموقف يعكس ارتهان القيادة الفلسطينية الكامل للاحتلال، إذ يبرر عباس تلك الإجراءات بأنها “منع للفوضى” و“حماية للمواطنين”، بينما يراها الفلسطينيون “خيانة وطنية” متواصلة منذ اتفاق أوسلو.
ويشير المراقبون إلى أن عباس، الذي تجاوز عامه التسعين ولا يزال متمسكًا بالسلطة، أصبح جزءًا من المنظومة الأمنية التي تسهّل الاحتلال أكثر مما تواجهه. فبينما يتحدث عن “حل الدولتين”، يواصل جيش الاحتلال بناء المستوطنات وتوسيع الجدار وشن عمليات يومية في مناطق “أ” التي يفترض أنها تحت سيطرة السلطة.
وفي هذا السياق، علّق أحد قادة المقاومة في جنين قائلًا: “بينما تدرّب إسرائيل جنودها على قتلنا، يدرب عباس شرطته على اعتقالنا”، في إشارة إلى المفارقة التي يعيشها المشهد الفلسطيني اليوم.

الرسالة الإسرائيلية: لا دولة فلسطينية

تُعدّ المناورات الحالية بمثابة رسالة مزدوجة من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية: أولاً، تعزيز السيطرة الأمنية على الضفة باعتبارها “الخط الدفاعي الأول” بعد غزة، وثانيًا، التأكيد على أن أي حديث عن انسحاب أو قيام دولة فلسطينية في الضفة مجرد وهم.
ويقول مراقبون إسرائيليون إن الجيش يسعى عبر هذه المناورات إلى “محاكاة حرب متعددة الجبهات”، تشمل احتمال اندلاع مواجهات متزامنة في غزة والضفة ولبنان وسوريا، مما يعني أن الضفة باتت تُعامل ميدانياً كموقع احتلال دائم لا كمنطقة متنازع عليها.
كما يرى بعض المحللين أن هذه المناورات تأتي في إطار استعدادٍ لمرحلة “ما بعد غزة”، حيث تخطط إسرائيل لإعادة توجيه قواتها تدريجيًا نحو الضفة لقمع أي تمدد لحركات المقاومة المسلحة، خصوصاً في مخيمات جنين وطولكرم ونابلس.

خاتمة: ضفةٌ تحت النار وسلطةٌ بلا موقف

بينما تواصل إسرائيل عسكرة الضفة الغربية تحت غطاء “المناورات”، يجد الفلسطينيون أنفسهم بين فكي كماشة: آلة الاحتلال من جهة، وسلطةٍ عاجزة أو متواطئة من جهة أخرى.
ففي حين تنادي الأمم المتحدة بوقف شامل للعنف وتطبيق قرارات مجلس الأمن، تمضي حكومة بنيامين نتنياهو في فرض واقعٍ ميداني يُكرّس الاحتلال ويقضي على ما تبقى من حلم الدولة الفلسطينية.
وفي ظل غياب أي موقف جاد من محمود عباس أو أي تحرك عربي فعّال، تبدو الضفة الغربية اليوم كبرميل بارود على وشك الانفجار، إذ لم تعد المسافة بين المناورة العسكرية والعدوان الفعلي سوى مسألة توقيت.

اقرأ أيضًا : إضراب الغنوشي.. صرخة جديدة ضد قمع قيس سعيّد وخنق الحريات في تونس