في 19 يونيو، وفي مناسبة اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع، أطلق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بيانًا مروعًا وصف فيه واقع الناجيات من العنف الجنسي في السودان بـ”المعاناة التي لا تُوصف”. 

كلمات موجزة لكنها تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان، لاسيما النساء والفتيات اللاتي وجدن أنفسهن ضحايا للاغتصاب الجماعي، والاستعباد الجنسي، والانتهاك المنهجي في ظل حرب طاحنة لا ترحم الضعفاء.

البيان شدد على أن فرص الحصول على الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية للضحايا تكاد تكون معدومة، بل وتتعرض حتى الجهات الحقوقية والطبية التي تحاول تقديم الدعم للناجين من الانتهاكات إلى الاستهداف والملاحقة، مما يعمق من المأساة ويكرّس ثقافة الإفلات من العقاب.

أوتشا دعت إلى تفعيل أنظمة الحماية، وتوفير الرعاية، وضمان العدالة للضحايا، مؤكدة أن العنف الجنسي لا يمكن تجاهله أو التكيّف معه كواقع مفروض، بل يجب التصدي له بجميع الوسائل القانونية والإنسانية.

السودان في دوامة الانهيار: الحرب وأهوال النزوح وأرقام قاتمة

منذ اندلاع الصراع المسلح في السودان في أبريل/نيسان 2023، بين قوات الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، يعيش البلد في حالة من الانهيار الكامل. تشير تقارير الأمم المتحدة إلى مقتل أكثر من 20 ألف شخص رسميًا، بينما تقدر دراسات مستقلة—من ضمنها دراسة لعدد من الجامعات الأميركية—عدد القتلى بما يصل إلى 130 ألفًا، في واحدة من أكثر النزاعات دموية في العالم حاليًا.

إلى جانب هذا العدد المذهل من الضحايا، يعاني نحو 15 مليون شخص من النزوح الداخلي واللجوء إلى الدول المجاورة. لكن ما لا يُسلّط عليه الضوء بما يكفي هو أن هذه الحرب فتحت الباب أمام جرائم حرب بشعة، وعلى رأسها العنف الجنسي الممنهج، الذي بات يُستخدم كسلاح لإذلال المجتمعات وتفكيك بنيتها الاجتماعية.

ضحايا هذه الجرائم هن في الغالب من النساء في مناطق النزاع المحتدمة، لا سيما في دارفور وولاية الخرطوم. التقارير المتداولة—والتي غالبًا ما تُجمع بصعوبة في ظل القيود الأمنية—تكشف عن حالات اغتصاب جماعي ترتكبها عناصر الدعم السريع بشكل منتظم في المناطق التي تسيطر عليها. كما أُبلغ عن احتجاز نساء وفتيات داخل بيوت سرية لاستخدامهن كـ”غنائم حرب”، فيما يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف.

الإمارات و”ميليشيات حميدتي”: دعم خارجي يُغذي الانتهاكات

لا يمكن فهم هذا التصاعد المرعب في العنف الجنسي دون النظر إلى من يقف خلف تمكين قوات الدعم السريع، وهي الميليشيا التي تحولت إلى أحد أبرز أدوات الفوضى والوحشية في السودان. فمنذ سنوات، تدفقت الأموال والأسلحة من الإمارات العربية المتحدة، بدعم مباشر من ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، إلى قوات حميدتي. هذا الدعم لم يكن فقط في سياق إقليمي أو تنافس على النفوذ، بل امتد ليشمل تزويد الميليشيا بالعتاد واللوجستيات التي تستخدم اليوم في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

تقارير استخباراتية وإعلامية عديدة، من بينها تحقيقات نشرها موقع “العربي الجديد” و”الجارديان” و”بلينغكات”، تؤكد أن طائرات إماراتية نقلت أسلحة وذخائر إلى قوات الدعم السريع عبر مطارات في غرب السودان وتشاد. كما ظهرت دلائل على وجود مرتزقة وشركات أمنية خاصة تدير بعض العمليات اللوجستية لصالح ميليشيا حميدتي، في تناقض فاضح مع التصريحات الرسمية الإماراتية التي تزعم الحياد في الصراع السوداني.

هذا الدعم منح “حميدتي” وقواته جرأة ميدانية أكبر، فتحولت المدن السودانية إلى ساحات رعب حقيقية، لم يسلم منها حتى الأطفال والنساء. يُستخدم الاغتصاب كسلاح لزرع الرعب وتفكيك الروابط المجتمعية، ولإجبار السكان على النزوح من أراضيهم. وكما حدث في دارفور مطلع الألفية، يعود سيناريو الإبادة الجماعية والعنف الجنسي بأبشع صوره.

صمت دولي مخزٍ وأصوات لا تُسمع

ورغم خطورة المشهد، فإن المجتمع الدولي يبدو عاجزًا أو متواطئًا. لم تصدر حتى الآن قرارات ملزمة من مجلس الأمن تُدين بشكل مباشر انتهاكات قوات الدعم السريع أو تُطالب بفرض عقوبات على الداعمين الخارجيين لهذه الجرائم، وعلى رأسهم الإمارات. بل إن بعض العواصم الغربية، خصوصًا واشنطن وباريس، تكتفي ببيانات دبلوماسية فضفاضة لا تتجاوز عتبة القلق، وكأن ما يحدث لا يتعدى نزاعًا مسلحًا عاديًا.

أما الأمم المتحدة، فرغم جهود “أوتشا” وفرق الإغاثة، فإنها لا تزال مكبّلة على المستوى السياسي، وغير قادرة على تحريك ملف المساءلة ضد مرتكبي العنف الجنسي. وبدلًا من دعم الضحايا، يتعرض المدافعون عن حقوق الإنسان داخل السودان للترهيب والتصفية، ما يعزز مناخ الإفلات من العقاب.

خاتمة: لا عدالة بلا محاسبة ولا إنقاذ بلا فضح للجرائم

العنف الجنسي في السودان ليس “أثرًا جانبيًا” للحرب، بل هو استراتيجية ممنهجة تنفذها ميليشيا مدعومة من دولة إقليمية طموحة تسعى لتوسيع نفوذها على أنقاض المجتمعات المنكوبة.

إن تجاهل هذا الواقع يعني خيانة الضحايا ومضاعفة معاناتهم، بيان “أوتشا” ليس مجرد توثيق لمعاناة، بل هو دعوة عاجلة للتحرك: لا بد من فتح تحقيق دولي مستقل في جرائم العنف الجنسي في السودان، وإدراج قادة قوات الدعم السريع ومن يدعمهم—وفي مقدمتهم محمد بن زايد—ضمن قوائم العقوبات والملاحقة الجنائية الدولية.

كما أن على المنظمات الإنسانية والصحافة الحرة الاستمرار في فضح هذه الجرائم ونقل صوت النساء المنتهكات اللواتي يُحاصرن بين نار الحرب ونار الصمت العالمي.

في ظل هذا الصراع الوحشي، تبقى الناجيات من العنف الجنسي في السودان شاهدة حية على الانهيار الأخلاقي والإنساني، بينما يقف العالم متفرجًا. فهل من صحوة ضمير؟ أم أن الكارثة ستُترك لتتكرس كوصمة جديدة في جبين الإنسانية؟

اقرأ أيضًا : اليمن على حافة المجاعة: الأمم المتحدة تحذر من كارثة وشيكة وموجة وبائية تضرب الملايين