بين ركام مدينة الفاشر المنكوبة شمال دارفور، تتجلى واحدة من أبشع صور الانهيار الإنساني في العصر الحديث، حيث تحوّل الجوع إلى سلاح إبادة بطيئة، والنجاة إلى صراع يومي ضد الموت. 

سكان المدينة المحاصرة منذ أكثر من عام ونصف اضطروا – في مشهد يفطر القلوب – إلى أكل طعام الحيوانات ليبقوا على قيد الحياة، بينما تدعم الإمارات وتدير الكارثة على مرأى الجميع. 

كارثة الفاشر.. تجويع ممنهج وتدمير متعمد

مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، تُختزل اليوم في كلمة واحدة: الحصار. منذ أكثر من 18 شهراً، يخنقها طوق الجوع والموت. الهجمات لا تتوقف، والقصف يطال المساجد والمستشفيات وأماكن اللجوء، بينما تُمنع المساعدات من الوصول، لتتحول حياة المدنيين إلى مأساة يومية.

تقول منظمات إنسانية إن المدنيين يُستهدفون عمداً حتى أثناء صلواتهم، وإن آلاف الأسر تعيش منذ شهور على حبوب الحيوانات وأعلاف المواشي بعد نفاد الطعام. صور الناجين تُظهر أطفالاً بهياكل عظمية، ونساءً يبحثن بين الحطام عن بقايا طعام متعفن. إنها ليست مجاعة عادية، بل سياسة تجويع ممنهجة هدفها كسر إرادة المدينة التي صمدت طويلاً في وجه الهجمات.

الأمم المتحدة وصفت الوضع في شمال دارفور بأنه “خارج السيطرة”، لكن ذلك لم يمنع استمرار الصمت الإقليمي، خصوصاً من الدول التي تؤثر بشكل مباشر في مجريات الصراع، وعلى رأسها الإمارات، المتهمة بدعم قوات الدعم السريع بالمال والسلاح والوقود، وهي الجهة التي تحاصر الفاشر وتقصف المدنيين بلا توقف.

أرواح تموت بصمت.. انهيار النظام الصحي ومجازر الجوع

انقطاع الاتصالات والإنترنت جعل من المستحيل توثيق حجم المأساة. لا أحد يعرف عدد القتلى الحقيقي، لكن تقديرات مستقلة تشير إلى أن أكثر من 100 ألف مدني قد قضوا منذ اندلاع الحرب، كثير منهم ماتوا جوعاً أو بسبب الأمراض المعدية وسوء التغذية الحاد.

النظام الصحي في السودان انهار بالكامل؛ المستشفيات دُمّرت، والمراكز الطبية أُغلقت، ولا توجد أدوية أو لقاحات أو حتى ماء صالح للشرب. الأطفال يموتون في صمت، والنساء يلدن في العراء دون رعاية، بينما تنتشر الكوليرا والملاريا والحصبة على نطاق واسع.

الأرقام وحدها لا تكفي لوصف هول الكارثة. فهناك شهادات عن أطفال يسيرون وحدهم في طرق النزوح بعد فقدان ذويهم، وأسر بأكملها قضت تحت القصف أو الجوع. بعض العائلات تأخذ معها أطفالاً غرباء بعد أن تيقنت أن آباءهم قُتلوا أو فُقدوا. إنها مأساة تذكّر بمجازر إفريقيا الوسطى ورواندا، ولكن في صمت دولي مطبق.

غياب المساعدات ومخاطر القتل على الطريق

منذ أكثر من خمسمائة يوم لم تصل أي قافلة إغاثية إلى الفاشر. كل الطرق المؤدية إلى المدينة مقطوعة، والمتطوعون الذين حاولوا إدخال الغذاء تعرضوا للنهب أو القتل. حتى التجار الذين نقلوا بعض المواد الغذائية تم استهدافهم من قبل المليشيات.

المنظمات المحلية القليلة التي ما زالت تعمل هناك تفعل المستحيل لإنقاذ الأرواح، لكنها تعاني من انعدام التمويل ومن غياب الأمن. “نحن لا ننقذ الأرواح بقدر ما نؤخر موتها”، بهذه العبارة تلخّص إحدى العاملات الإنسانيات المأساة.

العائلات تنام في العراء، بلا مأوى ولا طعام ولا ماء. المرض والجوع يفتكان بالبشر بلا رحمة، والمدينة التي كانت يوماً مركزاً تجارياً باتت مقبرة جماعية مفتوحة.

الإمارات.. راعٍ للحرب 

بينما يعيش السودانيون في جحيم المجاعة، تستمر الإمارات في تجاهل الكارثة، رغم التقارير الدولية التي تؤكد تورطها في دعم أحد طرفي النزاع بالسلاح والوقود والمال. تقارير الأمم المتحدة ووسائل إعلام عالمية كشفت أن شحنات من الأسلحة والذخيرة وصلت إلى قوات الدعم السريع عبر أراضٍ ودول وسيطة، بينها تشاد وليبيا، وأن جزءاً كبيراً من التمويل مصدره أبوظبي.

هذا الدور الإماراتي لا يُترجم فقط في استمرار الحرب، بل في تأبيد المأساة الإنسانية. فالإمارات التي تبني ناطحات السحاب في دبي وأبوظبي، تتغافل عن أطفال يموتون من الجوع في الفاشر التي ساهمت سياسياً في حصارها، سواء عبر دعم المليشيات أو عبر تعطيل أي مبادرات دولية للضغط على حلفائها في المنطقة.

في المقابل، لا تُقدّم الإمارات أي دعم إنساني يُذكر للفاشر أو للمناطق المنكوبة. كل ما يصدر عنها تصريحات عامة عن “السلام والاستقرار”، بينما واقع الأرض يقول إن صمتها شراكة في الجريمة.

المجتمع الدولي.. عجز وتمويل ناقص وازدواجية

رغم أن السودان يعيش أسوأ أزمة إنسانية في العالم، فإن الاستجابة الدولية لا تزال تعاني عجزاً تمويلياً يتجاوز 70%. الأمم المتحدة تقول إن نحو 30 مليون سوداني بحاجة إلى المساعدة، و25 مليوناً يعانون الجوع الحاد. ومع ذلك، لم تُعقد قمة واحدة مخصصة للأزمة، ولم تُفرض أي عقوبات فعالة على من يعرقل المساعدات أو يرتكب الانتهاكات.

هذا التراخي يُفسَّر على أنه تواطؤ ضمني، خاصة في ظل انشغال القوى الكبرى بصراعات أخرى كأوكرانيا وغزة، وترك السودان يغرق في الفوضى. أما الدول العربية الغنية، وفي مقدمتها الإمارات والسعودية، فاختارت الحياد اللفظي، رغم امتلاكها النفوذ المالي والسياسي الكفيل بإنقاذ الملايين.

صرخة أخيرة من قلب الفاشر

“الوقت ينفد، والمدينة تموت”، هكذا ختمت إحدى العاملات الإنسانيات نداءها الأخير. الفاشر اليوم رمز لفشل العالم في حماية المدنيين، ولانكشاف الوجه الحقيقي لدبلوماسية المال والنفط التي تتغنى بالاستقرار بينما تموّل الحروب.

ما يجري في دارفور ليس مجرد صراع داخلي، بل جريمة إنسانية تشارك في صُنعها قوى إقليمية، أبرزها الإمارات التي اختارت الوقوف في صفّ المليشيات لا المدنيين، لتؤكد مرة أخرى أن ثروتها تُستخدم لبناء نفوذ سياسي على أنقاض البشر.

لقد أكل أهل الفاشر طعام الحيوانات كي يعيشوا يومًا آخر، بينما يشاهدهم العالم في صمت. وإذا استمر هذا الصمت، فستتحول دارفور إلى شاهد أبدي على زمنٍ خان فيه العالم الإنسانية، وتواطأت فيه الثروة مع الجريمة.

اقرأ أيضًا : صحيفة عبرية تحذر: حماس تدخل مرحلة “تطور إستراتيجي” يربك الاحتلال وحلفاءه