قال الخبير العسكري والإستراتيجي العميد إلياس حنا إن ما يجري في السودان لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الميدانية الأخيرة لقوات الدعم السريع، التي انتقلت – وفق قوله – من الدفاع إلى الهجوم، بعد إحكام سيطرتها على أجزاء واسعة من إقليم دارفور واتجاهها نحو ولايات كردفان تمهيدًا للوصول إلى ولاية النيل الأبيض، التي تُعدّ منطقة فاصلة جغرافيًا بين شرق السودان وغربه.

وأوضح أن الدعم السريع أعاد تنظيم تموضعه بعد انسحابه من العاصمة الخرطوم وتمركز الجيش السوداني في المواقع الرسمية، ليتجه غربًا نحو دارفور حيث خاض معارك حاسمة انتهت بسيطرته على مدينة الفاشر، في تحول ميداني وصفه بـ”المنعطف الإستراتيجي” الذي أتاح له مساحة تمدد نحو الشرق، في مسارٍ يبدو أنه يهدف إلى عزل الجيش السوداني في نطاق جغرافي ضيق وإضعاف قدرته على المناورة.

ويؤكد حنا أن الهدف النهائي لهذا التمدد هو بلوغ ولاية النيل الأبيض، لما تمثله من أهمية إستراتيجية؛ فالنيل في تلك المنطقة يُعتبر حاجزًا طبيعيًا يفصل شرق السودان عن غربه. وإذا تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة عليه، فإنها تكون قد قطعت فعليًا شريان التواصل البري بين شرق السودان وغربه، وهو ما يعني خنق الجيش السوداني لوجستيًا، خصوصًا في ظل ضعف الإمدادات الجوية وانهيار البنية التحتية العسكرية.

نمط القتال الجديد: المسيّرات كسلاح ميداني

وأشار الخبير العسكري إلى أن الدعم السريع تبنى في الآونة الأخيرة نمطًا غير تقليدي في القتال، يعتمد على الحركة السريعة والعمليات الخاطفة بدل المواجهات المباشرة. وأبرز تجليات هذا النمط – بحسب قوله – هو استخدام الطائرات المسيّرة في ضربات دقيقة تطال أهدافًا بعيدة المدى، مثلما حدث مؤخرًا عندما قصفت قوات الدعم السريع مدينتي الدلنج والأبيض في كردفان، ثم امتدت هجماتها إلى عطبرة وأم درمان.

ويشير حنا إلى أن امتلاك الدعم السريع لمسيّرات يصل مداها إلى ألفي كيلومتر مكّنه من تنفيذ ضربات نوعية وصلت إلى العاصمة الخرطوم، بل وحتى إلى مناطق على ساحل البحر الأحمر مثل بورتسودان. غير أنه يلفت إلى أن هذه القدرات تبقى محدودة لوجستيًا بسبب المسافة الكبيرة بين الفاشر والنيل الأبيض، مما يجعل خطوط الإمداد والدعم الفني عرضة للانقطاع.

ويُضيف أن الدعم السريع يحاول تعويض هذا الضعف عبر تكتيكات الكرّ والفرّ وعمليات الاستنزاف الطويلة التي أرهقت الجيش، كما حدث في الفاشر التي سقطت بعد حصارٍ استمر أكثر من 500 يوم، في نموذج للحرب غير المتكافئة التي تُراهن فيها المليشيات على الزمن أكثر من القوة النارية.

الدعم السريع بين الاستنزاف والضغط الإقليمي

من جانبه، حذّر فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، من مؤشرات واضحة على استعدادات لتكثيف القتال في ولاية جنوب كردفان، وسط مخاوف من أن يمتدّ الصراع إلى النيل الأبيض، ما يعني تحول السودان إلى مسرح حرب شاملة.

لكن العميد حنا يرى أن الدعم السريع رغم توسعه الميداني يواجه معضلة بنيوية أمام الجيش السوداني، الذي يمتلك نحو 200 ألف جندي مدرّب تقليديًا، إضافة إلى تفوقه في المدرعات والطيران والمدفعية الثقيلة، وهي عناصر تجعل من الصعب على الدعم السريع تحقيق انتصار حاسم ما لم يتلق دعمًا خارجيًا متواصلًا.

وهنا، يربط الخبير بين هذا التمدد وبين الدور الإماراتي في تغذية الصراع. فوفق تقارير أممية متطابقة، تلقّت قوات الدعم السريع دعماً لوجستيًا وتمويليًا من شبكات مرتبطة بأبوظبي، شملت توريد أسلحة وذخائر عبر طرق غير شرعية، بل وتمويل عمليات شراء طائرات مسيّرة من مصادر أجنبية.

ويرى مراقبون أن أبوظبي تسعى من خلال هذا الدعم إلى إعادة تشكيل ميزان القوى داخل السودان، بما يضمن وجود كيان عسكري غير مركزي يمكن التحالف معه مستقبلاً لحماية مصالحها في الذهب والنفط وممرات البحر الأحمر.

ويضيف حنا أن تحرك الدعم السريع نحو النيل الأبيض لا يخدم فقط أهدافه العسكرية، بل يتقاطع مع أجندة إقليمية تسعى إلى إضعاف الدولة السودانية المركزية وتفتيت جبهاتها الداخلية، لتسهيل بروز كيانات محلية صغيرة قابلة للتأثير الخارجي، وهو ما يحقق لأبوظبي نفوذًا ميدانيًا في قلب القارة الإفريقية على حساب الخرطوم.

التداعيات الإنسانية والميدانية

بالتوازي مع التصعيد العسكري، تتحدث تقارير حقوقية عن كارثة إنسانية متفاقمة في المناطق التي سيطر عليها الدعم السريع، خصوصًا في دارفور والفاشر، حيث اتُهمت قواته بارتكاب فظائع جماعية شملت القتل خارج القانون والعنف الجنسي المنهجي، ما دفع الأمم المتحدة لوصف الوضع بأنه من “الأسوأ في العالم”.

ويُحذّر محللون من أن توسع الدعم السريع شرقًا سيؤدي إلى تكرار سيناريو دارفور في مناطق أخرى، مما يهدد بتمزيق السودان إلى مناطق نفوذ متنازعة ويفتح الباب لتدخلات خارجية أوسع، لا سيما من الدول التي ترى في تفكيك السودان فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي.

خاتمة: صراع النفوذ في الجغرافيا السودانية

يخلص العميد حنا إلى أن ما يجري في السودان لم يعد مجرد حرب أهلية على السلطة، بل حرب على الجغرافيا والهوية، تسعى فيها أطراف داخلية وخارجية – وعلى رأسها الإمارات – إلى رسم حدود جديدة للنفوذ الإقليمي.

فالنيل الأبيض ليس مجرد هدف عسكري؛ إنه مفتاح تقسيم السودان جغرافيًا بين شرقٍ وغربٍ، وبين جيشٍ نظامي وقواتٍ متمردة. وإذا تحقق هذا السيناريو، فستكون أبوظبي قد نجحت في تحويل الدعم السريع إلى ذراع عسكرية تعمل بالوكالة في قلب إفريقيا، لتأمين مصالحها الاستراتيجية الممتدة من الساحل إلى البحر الأحمر، في وقتٍ يدفع فيه ملايين السودانيين ثمن هذه الطموحات دمًا وجوعًا ونزوحًا.

اقرأ أيضًا : التلغراف: أدلة دامغة على تورط الإمارات في تمويل الصراع الدموي بالسودان