في قرار قضائي وصفته جماعات حقوق الإنسان بـ”الصفعة الرمزية” لإدارة ترامب السابقة، أمر قاضٍ أميركي، الجمعة، بالإفراج عن الناشط الفلسطيني ومواطن الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة، محمود خليل، بعد احتجازه لنحو ثلاثة أشهر في أحد مراكز احتجاز المهاجرين بولاية لويزيانا.

خليل، خريج جامعة كولومبيا وأحد أبرز الأصوات الرافضة للحرب الإسرائيلية على غزة، أُوقف في سكنه الجامعي فجأة في مارس/آذار الماضي، في خضم حملة شرسة شنّها الرئيس السابق دونالد ترامب ضد الطلبة الأجانب المؤيدين للقضية الفلسطينية، في وقت وصف فيه الاحتجاجات المؤيدة لغزة بأنها “معادية للسامية”.

قرار المحكمة، الذي استند إلى غياب أي مبرر قانوني لاستمرار احتجاز خليل، يُعد انتصارا كبيرا لحرية التعبير، لكنه يسلّط في الوقت ذاته الضوء على التناقض العميق بين الخطاب الأميركي حول الحقوق والحريات، وبين الممارسات الواقعية التي تستهدف النشطاء المعارضين للسياسات الإسرائيلية، لا سيما من أصول عربية وفلسطينية.

المعركة القضائية: النضال من داخل الزنزانة

انطلقت القضية حين داهم عناصر من سلطات الهجرة مقر إقامة خليل داخل حرم جامعة كولومبيا، بعد أيام من مشاركته في مظاهرات طلابية مناهضة للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. تم نقله إلى مركز احتجاز في منطقة ريفية نائية بولاية لويزيانا، حيث عاش ظروفًا وصفتها زوجته نور عبد الله بـ”غير إنسانية”، خاصة أنها كانت على وشك الولادة حينها، ووضعت طفلهما بينما كان الأب خلف القضبان، دون أي اتهام جنائي ضده.

وفي المحكمة، قدم فريق الدفاع أدلة على أن خليل لا يشكل أي تهديد أمني، وليس هناك ما يدعو للخشية من هروبه. كما أشار القاضي مايكل فاربيارز صراحةً إلى أن الحكومة لم تدحض هذه الأدلة، مشككًا في دوافعها الحقيقية. وأكد في حكمه أن “استخدام قضايا الهجرة كأداة لمعاقبة ناشط سياسي هو أمر غير دستوري”، معتبرًا أن القضية قد تحمل في طياتها “استغلالًا واضحًا لمواد القانون للهجوم على الحق في حرية التعبير”.

المفارقة أن القاضي نفسه كان قد وافق في وقت سابق على استمرار احتجاز خليل بدعوى “مخالفات تتعلق بعمله”، لكنه عاد وتراجع عن قراره بعد الضغط الحقوقي والإعلامي، وبعد وضوح تسييس القضية.

ازدواجية المعايير: أميركا تُضيّق الخناق على من يفضح الاحتلال

ما يثير القلق في قضية محمود خليل، أنها ليست استثناءً فرديًا، بل جزء من توجه أوسع بدأ يظهر للعلن في الولايات المتحدة، حيث يُعامل النشطاء المؤيدون لفلسطين باعتبارهم تهديدًا أمنيًا أو “عنصرًا تخريبيًا” داخل الجامعات والمؤسسات. 

خليل، المولود في سوريا لأبوين فلسطينيين، لم يتورط في أي نشاط غير سلمي، بل مارس حقه في الاحتجاج السلمي داخل إطار القانون الأميركي، ومع ذلك وجد نفسه ملاحقًا، معتقلًا، ومهددًا بالترحيل.

الإدارة الأميركية، سواء في عهد ترامب لم تكتفِ بدعم الاحتلال الإسرائيلي عسكريًا وسياسيًا، بل انتقلت إلى مستوى أخطر: شيطنة كل من ينتقد إسرائيل. هذا السلوك يضرب في العمق ما تتغنى به واشنطن من “قيم حرية التعبير والتعددية”.

ردود فعل البيت الأبيض، التي صدرت على لسان المتحدثة أبيغيل جاكسون، لم تكن سوى تكريس لهذا المنطق. حيث وصفت قرار القاضي بأنه “يفتقر إلى الاختصاص”، وأكدت تمسك الإدارة بموقفها الداعي لترحيل خليل، متجاهلة الحكم القضائي ومعايير العدالة الأساسية. 

هذا يثير تساؤلات حقيقية حول مدى استقلال القضاء، وحدود السلطة التنفيذية في تطويعه لخدمة أجندات سياسية.

وفي ظل تزايد حملات المقاطعة الدولية لإسرائيل، يبدو أن النشطاء أمثال محمود خليل باتوا أهدافًا مفضّلة للإدارة الأميركية، ليس لكونهم يشكلون خطرًا، بل لأنهم يُحرجون الرواية الرسمية، ويهددون التحالف الاستراتيجي مع دولة الاحتلال.

خاتمة: بين الحرية النظرية والاضطهاد الواقعي

قضية محمود خليل ليست فقط مأساة إنسانية لعائلة شابة حُرمت من الاجتماع في لحظة ولادة طفلها، وليست فقط معركة قانونية انتصر فيها الدستور على الغلو الأمني، بل هي اختبار قاسٍ لمصداقية “الحلم الأميركي” الذي يروّج للديمقراطية وحقوق الإنسان في كل أصقاع الأرض، بينما يضطهد من يمارس هذه الحقوق داخل أراضيه إذا تعارضت مع المصالح السياسية أو دعم الحلفاء.

الإفراج عن خليل لا يعني نهاية معاناته، ولا يعني أن غيره من النشطاء العرب والفلسطينيين في منأى عن الملاحقة.

لكنه يُسجل كإنذار مبكر لكل من ما زال يثق في المؤسسات الأميركية، مفاده: إن كنت تدافع عن فلسطين، فاحذر، فقد تكون حرّيتك هي الثمن.

اقرأ أيضًا : “أشلاء الميركافاة”.. القسام تدمر 3 دبابات وتواصل إذلال الجيش الإسرائيلي في جباليا