كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن تفاصيل صادمة لنتائج الضربة الأميركية التي استهدفت، فجر الأحد، منشأة فوردو النووية الإيرانية، مؤكدة أن القصف الجوي العنيف الذي استخدم فيه 12 قنبلة خارقة للتحصينات، لم ينجح في تدمير الموقع الحصين. وفي تطور أكثر إثارة، أشارت الصحيفة إلى أن إيران كانت قد سبقت الضربة بنقل اليورانيوم عالي التخصيب من الموقع، في خطوة أربكت الحسابات الأميركية والإسرائيلية وأظهرت استعدادًا استباقيًا واضحًا من طهران.

الضربة الأميركية: 12 قنبلة لم تكن كافية
نقلت نيويورك تايمز عن مسؤولين أميركيين أن الهجوم الجوي شمل إسقاط 12 قنبلة خارقة للتحصينات من طراز متقدم، كانت تستهدف تدمير منشأة فوردو النووية الواقعة في عمق جبل داخل منطقة محصنة. ووفقًا للمصدر، فإن “الضربة ألحقت أضرارًا بالغة بالموقع، لكنها لم تكن كافية لتدميره بالكامل”، وهو ما أكده مسؤولون إسرائيليون أيضًا، مشيرين إلى أن “فوردو أصيب بأضرار جسيمة لكنه لا يزال قائماً”.
هذا الفشل الجزئي، وإن تم التخفيف من وطأته إعلاميًا، يُعد ضربة قاسية لصورة الردع الأميركي، خاصة أن المنشأة المستهدفة تمثل جوهر مشروع التخصيب الإيراني وقد صممت لتحمل هجمات شديدة بفضل عمقها تحت الأرض وتحصيناتها الهندسية المعقدة.
طهران كانت تعلم؟.. تحركات مشبوهة قبل الهجوم
اللافت في الأمر أن طهران لم تنتظر الهجوم حتى تتخذ إجراءاتها، بل يبدو أنها كانت تتوقع ضربة وشيكة. فقد أكدت وكالة رويترز، نقلاً عن مصادر إيرانية، أن السلطات قامت بنقل معظم اليورانيوم عالي التخصيب من فوردو قبل الضربات، إلى موقع غير معروف حتى الآن. كما تم تقليص عدد العاملين إلى الحد الأدنى، وهو ما قلل الخسائر البشرية المحتملة.
في السياق ذاته، كشفت صحيفة واشنطن بوست أن صور الأقمار الاصطناعية التقطت في 19 يونيو/حزيران أظهرت حركة نشطة وغير معتادة لعشرات الشاحنات في محيط المنشأة، مع انتقال 16 شاحنة على الأقل إلى خارج الموقع، وتوقف بعضها قرب المداخل الرئيسية. هذه التحركات تدعم رواية النقل المسبق للمواد النووية، وتُظهر أن إيران كانت تتابع عن كثب مؤشرات التصعيد وربما اخترقت حتى بعض خطط الهجوم.
حرب الظلال تتحول إلى مواجهة مباشرة
يأتي هذا التطور في سياق تصاعد خطير منذ 13 يونيو، حين بدأت إسرائيل حملة موسعة ضد أهداف إيرانية، شملت اغتيال قيادات بارزة في الحرس الثوري وعلى رأسهم رئيس هيئة الأركان، بالإضافة إلى تدمير مواقع نووية ومجمعات عسكرية، وهو ما دفع طهران للرد عبر ضربات صاروخية ألحقت أضرارًا جسيمة بمدن إسرائيلية كبرى بينها حيفا وتل أبيب.
ورغم الغموض الأميركي الذي ساد في البداية حول نية واشنطن التدخل المباشر، فإن الهجوم فجر الأحد على منشآت فوردو ونطنز وأصفهان، وضع الولايات المتحدة رسميًا في قلب المواجهة. غير أن فشل الضربة في تحقيق هدفها الأساسي، كشف محدودية تأثير القوة الصلبة في مواجهة خصم مستعد ومتمرس في المناورة.
التقديرات الاستخباراتية تحت المجهر
تُثير هذه التطورات أسئلة حرجة حول كفاءة التنسيق الاستخباراتي الأميركي الإسرائيلي. فإخفاق واشنطن في تدمير الموقع، مع سبق إيران بنقل المواد الحساسة، يوحي إما بوجود خرق استخباراتي خطير لصالح طهران، أو بتقييم مفرط في التفاؤل لدى الجانب الأميركي تجاه نتائج الضربة.
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، قال لشبكة CBS إنه “لن يعرف أحد مدى دقة الأضرار أو ما إذا كانت إيران قد نقلت المواد النووية، إلا بعد عدة أيام”، في تعبير واضح عن الضبابية المحيطة بتقييم نتائج الهجوم، بل والتخبط السياسي الذي تلاه.
إيران تتوعد بـ”خيارات خارج الحسابات”
في أول تعليق رسمي عقب الضربة، توعد الحرس الثوري الإيراني بالرد القاسي على الولايات المتحدة، مؤكدًا أن خيارات طهران لن تكون تقليدية، بل “خارجة عن الحسابات المتوقعة”. هذا التهديد يحمل أبعادًا خطيرة، إذ يفتح الباب أمام عمليات انتقامية غير تقليدية قد تشمل استهداف القوات الأميركية في المنطقة، أو شن هجمات سيبرانية متقدمة، أو حتى تصعيد ضد حلفاء واشنطن كإسرائيل والسعودية.
خاتمة: صمود فوردو.. وانكشاف واشنطن
تكشف قصة “فوردو” عن مشهد معقد في حرب الظلال التي أصبحت حربًا مفتوحة بين طهران ومحور واشنطن-تل أبيب. فشل الضربة الأميركية في تدمير المنشأة النووية يُعد انتصارًا تكتيكيًا لإيران، كما أن قدرتها على توقع الهجوم والتصرف قبله تعكس تطورًا كبيرًا في أداء أجهزتها الاستخبارية.
وفي الوقت الذي تبدو فيه واشنطن تترنح في تقييم نتائج عمليتها، تمسك طهران بزمام المبادرة وتلوح بردٍّ خارج التوقعات. وهكذا، تكون منشأة “فوردو” قد صمدت ليس فقط أمام القنابل، بل أمام لعبة التهويل السياسي الأميركي، مما يفتح بابًا جديدًا لمعادلات الردع في المنطقة.
اقرأ ايضًا : إدانات دولية للهجوم الأمريكي على إيران… ومصر والأردن تلتزمان الصمت