في مشهد غير معتاد، استقبلت القاهرة صدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر ورئيس أركان القوات البرية التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا، بحفاوة عسكرية رسمية، كان في مقدمتها رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الفريق أحمد خليفة.
هذه الزيارة، التي أحاطت بها رمزية عالية المستوى وتغطية إعلامية ليبية مكثفة، أثارت تساؤلات عديدة حول توقيتها، ودلالاتها، وما تحمله من رسائل إقليمية، خصوصًا في ظل توتر الوضع الأمني في المثلث الحدودي بين ليبيا ومصر والسودان، الذي شهد مؤخرا مواجهات انتهت بسيطرة قوات الدعم السريع السودانية بدعم من قوات صدام حفتر على الجانب السوداني من المثلث.

شراكة أمنية أم تحالف تكتيكي؟
البيان الرسمي المصري تحدث عن تعزيز التعاون العسكري، وتنسيق الجهود لتأمين الحدود المشتركة ومكافحة الهجرة غير النظامية.
لكن وراء هذا البيان التقليدي، تبدو القاهرة عازمة على توثيق علاقتها بصدام حفتر كقائد ميداني صاعد، يشكل جسراً بين النفوذ العسكري الليبي في الشرق وطموحات مصر في إعادة هندسة التوازنات الأمنية على حدودها الجنوبية الغربية.
الاستقبال الحافل يعكس أيضا محاولة مصرية لتأكيد الدور المركزي الذي تؤديه في ليبيا، في وقت تتزاحم فيه قوى إقليمية – لا سيما الإمارات – على مراكز النفوذ داخل البلاد.
ورغم أن القاهرة وأبوظبي حليفان استراتيجيان، فإن التنافس بينهما داخل شرق ليبيا بات أكثر وضوحًا مؤخرًا، خاصة مع تزايد الاعتماد الإماراتي على قوات خاصة ليبية مستقلة جزئيًا عن حفتر نفسه.
في هذا السياق، يبدو أن مصر وجدت في صدام حفتر ورقة محتملة لإعادة ترتيب أوراقها في ليبيا، عبر رعاية تدريجية لصعوده كقائد ميداني قابل للتسويق داخليًا وخارجيًا، وربما كوريث عسكري للمشير خليفة حفتر.
المثلث الحدودي ورسائل للخرطوم وأبوظبي
زيارة صدام حفتر تأتي بعد أيام فقط من سيطرة قوات الدعم السريع السودانية، المدعومة من الإمارات، على الجانب السوداني من المثلث الحدودي الثلاثي، بمساندة ميدانية من قوات حفتر التي تنتشر على الطرف الليبي من المثلث.
هذه العملية أثارت غضب المؤسسة العسكرية السودانية، ودفعت إلى توجيه اتهامات مباشرة لحفتر بالتورط في دعم “مليشيات انقلابية”.
وهنا، يبرز سؤال: هل جاءت زيارة صدام حفتر إلى القاهرة كاستدعاء غير معلن لتوضيح الموقف، أم كرسالة دعم سياسي وعسكري من القاهرة لحفتر الابن؟
المرجح أن الأمرين مجتمعان؛ فمن جهة، تسعى مصر لضمان عدم انجراف شرق ليبيا نحو تحالف ميداني مع الدعم السريع قد يضعف موقفها في أزمة السودان، ومن جهة أخرى، فهي لا ترغب في قطع حبل التواصل مع حفتر، لما يمثله من ثقَل عسكري على حدودها، خاصة في ظل فوضى الجنوب الليبي.
كذلك، يُفهم من الحفاوة الرسمية أن القاهرة لا تمانع – بل ربما تشجع – تعزيز دور صدام حفتر في هذا التوقيت الحساس، في محاولة لتأمين توازن دقيق مع الإمارات، التي تواصل تقديم دعم كبير لقوات الدعم السريع من جهة، ولا تزال تحتفظ بتأثير واسع داخل منظومة حفتر من جهة أخرى.
ورقة “الوريث العسكري” بين الرغبة المصرية والطموح الليبي
تعكس الزيارة رغبة لدى كل من مصر وعائلة حفتر في “تسويق” صدام كقائد شرعي مقبل للمنطقة الشرقية، خاصة أن المشير خليفة حفتر يواجه تقدمًا في العمر وتحديات صحية لا تخفى على الدوائر المقربة.
لكن هذا المشروع لا يبدو سلسًا، إذ يواجه صدام حفتر تحديات داخلية كبيرة، منها التنافس مع قادة عسكريين آخرين داخل المؤسسة المسلحة في الشرق، والريبة الدولية من سجل عائلته في انتهاكات حقوق الإنسان، إضافة إلى صراعات النفوذ بين داعميه الإقليميين.
في المقابل، ترى مصر في “الوريث الصاعد” فرصة لترتيب علاقة أكثر انضباطًا في شرق ليبيا، خاصة إن كان صدام أكثر قابلية للضبط من والده، وأقل انخراطًا في التحالفات الخارجية التي تتجاوز مصر. ولهذا السبب، يبدو أن الحفاوة الرسمية لم تكن فقط تعبيرًا عن احترام متبادل، بل أيضا محاولة لاحتواء المشهد الليبي قبل أن تفرض الإمارات أو أي طرف آخر قواعده الخاصة.
نفوذ في قلب العاصفة
في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات أمنية عميقة من غزة إلى الخرطوم، ومن طرابلس إلى الساحل، تتحرك مصر بهدوء لإعادة تموضعها في حدودها الغربية، مستندة إلى أدوات قديمة بأوجه جديدة.
زيارة صدام حفتر للقاهرة ليست بروتوكولية بقدر ما هي ورقة نفوذ ورسالة متعددة الأبعاد: إلى الداخل الليبي بأن القاهرة لا تزال فاعلاً، إلى السودان بأنها تتابع المثلث الحدودي عن كثب، وإلى أبوظبي بأنها لن تترك المسرح الليبي يُدار بشكل منفرد.
لكن هذا الانخراط المصري، إن لم يُصاحَب برؤية شاملة تشمل المسار السياسي الليبي، قد يتحول إلى مجرد إدارة قصيرة الأمد لأزمة طويلة المدى.
اقرأ أيضًا : عمليات نوعية شرق خانيونس.. القسام يبعث برسائل نارية في عام المقاومة الثاني