في تطور جديد يعكس اتساع دائرة القمع السياسي في تونس، قضت محكمة تونسية بسجن المحامية والإعلامية المعروفة سنيّة الدهماني لمدة عامين، على خلفية تصريحات إعلامية انتقدت فيها ممارسات عنصرية ضد مهاجرين أفارقة، في حكم مثير للجدل يعيد إلى الواجهة النقاشات المتزايدة حول استقلالية القضاء وحرية التعبير في ظل حكم الرئيس قيس سعيّد.

أحكام بتهم جاهزة.. المشهد التونسي يتجه للظلام

يُظهر الحكم بسجن الدهماني أن القضاء التونسي بات أداة طيعة بيد السلطة التنفيذية، يُستخدم لتصفية الأصوات المعارضة وترهيب الشخصيات العامة.

وبحسب ما أعلنه المحامي بسام الطريفي، رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، فإن الحكم جاء نتيجة لتصريحات أدلت بها الدهماني العام الماضي في برنامج تلفزيوني، شككت فيه بموقف الحكومة التونسية من ملف المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وانتقدت ما اعتبرته تحريضًا ضمنيًا على الكراهية والعنصرية ضدهم.

القضية أُثيرت بموجب المرسوم 54 سيئ الصيت، وهو قانون الجرائم الإلكترونية الذي أصدره سعيّد عام 2022، ويجرّم “نشر أخبار كاذبة” ويمنح السلطات صلاحيات واسعة لتتبع وملاحقة المعارضين.

ولعل ما يزيد من خطورة القضية هو أن الدهماني تُحاكم للمرة الثانية على نفس التصريحات، وهو ما يُعد انتهاكًا واضحًا لمبدأ “عدم المحاكمة مرتين على الجُرم ذاته”، ويُبرز كيف أصبحت النصوص القانونية تُستخدم كسلاح انتقائي لاستهداف الخصوم السياسيين.

محامو الدهماني أنفسهم انسحبوا من الجلسة، احتجاجًا على رفض القاضي تأجيل المحاكمة، واصفين ما جرى بـ”المهزلة القانونية”. هذا الانسحاب يعبّر عن حجم الانهيار الذي تشهده منظومة العدالة في البلاد، بعد أن بات القضاة تحت ضغط السلطة التنفيذية، ويواجه كثير منهم الإقالة أو التجميد أو النقل التعسفي بمجرد رفضهم الانصياع لتوجهات القصر الرئاسي.

قيس سعيّد ومرسوم إسكات الخصوم

منذ انقلاب 25 يوليو 2021، عندما علّق الرئيس قيس سعيّد العمل بالدستور وحل البرلمان المنتخب، بدأت تونس تدخل تدريجيًا في نفق الحكم الفردي، حيث أصبحت السلطة مركزة بيد الرئيس، وسط تفكيك ممنهج لمؤسسات الرقابة والمحاسبة، وفي مقدمتها القضاء.

وبدلًا من استخدام السلطة في تحسين الأوضاع المعيشية المنهارة، توجّه سعيّد نحو ملاحقة الأصوات المعارضة، من سياسيين وصحفيين ونشطاء ومحامين، وفتح الباب أمام تضييق واسع على الحريات المدنية، مستخدمًا ترسانة من المراسيم التشريعية لتجريم الرأي وتقييد الإعلام.

المرسوم 54، الذي طُبّق في حالة الدهماني، كان قد أثار استنكارًا دوليًا واسعًا. منظمة العفو الدولية وصفت المرسوم بأنه “أداة قانونية لتكميم الأفواه”، فيما اعتبرت هيومن رايتس ووتش أن الرئيس سعيّد يخلق مناخًا من الخوف والترهيب في البلاد.

يُذكر أن عشرات من المعارضين السياسيين، وبينهم زعماء أحزاب مثل راشد الغنوشي، وعدد من الصحفيين والنشطاء، يقبعون في السجون دون محاكمات عادلة أو حتى لوائح اتهام واضحة، فيما ترفض السلطات أي محاسبة أو رقابة على أجهزة الأمن التي أصبحت أكثر شراسة في ملاحقة المدنيين.

انحدار مستمر.. والقضاء أداة في معركة سياسية

اللافت أن الرئيس قيس سعيّد يواصل نفي كل التهم الموجهة إليه، مدّعيًا أنه يطبق القانون ويحارب الفساد. لكنه في الوقت ذاته، يرفض أي إشراف قضائي مستقل أو مراجعة حقيقية للقرارات الصادرة بحق معارضيه، بل يستمر في ممارسة الضغط على القضاء، وسبق له أن أقال أكثر من 50 قاضيًا في يوم واحد، بينهم قضاة معروفون باستقلالهم، وهو ما أعاد للأذهان مشاهد من أنظمة الحكم العسكري الشمولي.

المفارقة أن تونس، التي كانت تُوصف بعد 2011 بأنها النموذج الناجح في التحول الديمقراطي، أصبحت اليوم بحسب وصف بعض الحقوقيين “سجنًا مفتوحًا”، حيث بات الخوف يطارد كل من يُبدي رأيًا مخالفًا أو ينتقد السياسات الرسمية، وسط انهيار اقتصادي، وتراجع غير مسبوق في الحريات العامة، وتزايد معدلات الهجرة من الشباب إلى أوروبا.

المحامية سنية الدهماني، التي كانت صوتًا نقديًا بارزًا على الشاشات التونسية، لم تكن أول من يُستهدف بسبب الكلمة، وربما لن تكون الأخيرة، ما لم يتحرك المجتمع الدولي والمحلي بشكل أوسع لحماية ما تبقى من مكتسبات الثورة.

خاتمة: تونس إلى أين؟

في ضوء هذا الحكم القاسي، يتأكد أن مسار قيس سعيّد يتجه بثبات نحو دولة الفرد الواحد، حيث لا مكان للمعارضة ولا احترام لحقوق الإنسان ولا استقلال للقضاء. وإذا استمرت حملة القمع دون رادع، فإن تونس قد تتحول في القريب العاجل إلى ساحة مفتوحة لانتهاكات متتالية، تعيد البلاد إلى مربع الاستبداد الذي ثار عليه التونسيون قبل أكثر من عقد.

وسيبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى يصمت العالم على هذه الانتهاكات؟ وهل يستمر النظام القضائي في الانصياع؟ أم أن في تونس من سيعيد التذكير بأن الحرية لا تُسجن، وأن ثمن الكلمة لا يجب أن يكون زنزانة؟

اقرأ أيضًا : تضارب الأنباء حول مصير الطريفي والسكران يعيد فتح ملف القمع في السعودية