استيقظت الضفة الغربية المحتلة، مساء السبت، على جريمة جديدة ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في مخيم الفارعة جنوب طوباس، حيث استُشهد الشاب عبد الرحمن أحمد عباس دراوشة (26 عامًا) إثر إصابته برصاص جنود الاحتلال خلال اقتحام عسكري واسع للمخيم.
وزارة الصحة الفلسطينية أكدت في بيان مقتضب أن دراوشة نُقل إلى مستشفى طوباس الحكومي بحالة حرجة قبل أن يُعلن عن استشهاده متأثرًا بإصاباته البالغة. فيما أوضحت وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) أن قوات الاحتلال نشرت وحدات مشاة عند مداخل المخيم، وأطلقت النار بشكل مباشر على الشبان، وأغلقت الطرق المؤدية إليه في مشهد أصبح روتينًا يوميًا في مدن الضفة التي تعيش تحت وطأة الاحتلال والعقاب الجماعي.
سكان المخيم رووا أن القوات الإسرائيلية حاصرت المنطقة بشكل مفاجئ، وأطلقت الرصاص الحي بكثافة صوب المواطنين، ما أدى إلى حالة من الذعر في صفوف الأهالي، خاصة الأطفال، بينما مُنع طاقم الإسعاف من الوصول إلى الجريح في البداية. وفيما كانت أنباء استشهاد دراوشة تنتشر عبر مكبرات الصوت في المخيم، كان الاحتلال يواصل عمليات الدهم في مناطق عدة من الضفة في سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر إرادة الفلسطينيين بعد عامين من حرب الإبادة في غزة.

الضفة بين فوهة البندقية وصمت السلطة
بدماء دراوشة، يرتفع عدد الشهداء في الضفة الغربية منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى أكثر من 1069 شهيدًا، بحسب إحصاءات فلسطينية رسمية، فيما تجاوز عدد الجرحى 10 آلاف، والمعتقلين 20 ألفًا، بينهم 1600 طفل. هذه الأرقام تكشف أن الاحتلال لا يميز بين مقاوم ومدني، وأن الضفة باتت ساحة حرب مفتوحة تخلو من أي حماية سياسية أو ميدانية.
ومع ذلك، يواصل محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، سياسة “التنسيق الأمني” التي باتت تُنظر إليها في الشارع الفلسطيني كأخطر أشكال الخيانة الصامتة. فبينما تداهم قوات الاحتلال المخيمات وتغتال الشبان، تلتزم الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الصمت أو الانسحاب من المشهد، تاركة المدنيين في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية وحدهم.
يرى مراقبون أن صمت عباس على جرائم الاحتلال في الضفة لا يمكن فصله عن موقفه السياسي الرافض لتصعيد المقاومة، خاصة بعد صفقة “طوفان الأحرار” التي أطلقت مئات الأسرى من سجون الاحتلال. فبدل أن تتبنى السلطة هؤلاء المحررين وتوفر لهم الحماية، باتوا اليوم هدفًا مباشرًا لمداهمات الجيش الإسرائيلي، دون أي اعتراض رسمي من رام الله.
ملاحقة المحررين.. كسرٌ لروح الصفقة
الاقتحامات التي شهدتها الليلة نفسها في كفر قدوم شرق قلقيلية، ويطا جنوب الخليل، والعروب شماله، وقرى عجة وبيت جالا، لم تكن مجرد عمليات تفتيش روتينية، بل جزء من حملة أوسع تستهدف الأسرى المحررين والمبعدين في صفقة طوفان الأحرار التي شكلت ضربة معنوية كبيرة للاحتلال بعد تبادل الأسرى بين المقاومة الفلسطينية وتل أبيب قبل أشهر.
شهود عيان أكدوا أن قوات الاحتلال اقتحمت منازل المحررين ليلاً، واعتدت على بعضهم بالضرب، وصادرت هواتفهم الشخصية، وهددتهم بالاعتقال مجددًا “إذا فكروا بالعودة إلى العمل الوطني أو التواصل مع المقاومة”.
هذه الحملة، وفق محللين، تهدف إلى تفريغ الصفقة من مضمونها، وكسر الرمزية التي حملها الإفراج عن الأسرى في الوعي الفلسطيني. فالاحتلال يدرك أن كل محرر هو “شعلة مقاومة مؤجلة”، وأن إعادة اعتقالهم تعني محو أي انتصار معنوي تحقق للمقاومة خلال السنوات الماضية.
في المقابل، تغيب السلطة الفلسطينية عن مشهد الدفاع عن هؤلاء الأسرى، مكتفية بالبيانات الشكلية، ما عمّق شعور الفلسطينيين في الضفة بأن رام الله باتت شريكًا في الصمت الذي يغطي على الجرائم اليومية للاحتلال.
إبادة غزة تُمدّ ظلالها على الضفة
الأحداث في الفارعة تأتي بينما لم تلتئم بعد جراح غزة التي دفعت ثمنًا فادحًا خلال حرب الإبادة التي استمرت عامين وانتهت بوقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، حيث بلغ عدد الشهداء أكثر من 69 ألفًا، والجرحى أكثر من 170 ألفًا. ورغم وقف القتال في القطاع، فإن سياسة الاحتلال في الضفة تُظهر أن آلة القتل لم تتوقف، بل انتقلت لتصفية ما تبقى من البنية الاجتماعية والسياسية الفلسطينية.
الاحتلال اليوم يعيد صياغة قواعد الصراع: من تدمير غزة عسكريًا إلى إخضاع الضفة أمنيًا. فالمداهمات اليومية، والاغتيالات، ومصادرة الأراضي، كلها أدوات لفرض واقع جديد يُمهد لتوسيع المستوطنات وتكريس الاحتلال دون تكلفة سياسية.
الدم الفلسطيني بين المقاومة والتخاذل
استشهاد عبد الرحمن دراوشة ليس حادثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في مسلسل الدم الفلسطيني الممتد، حيث تُواجه المدن والمخيمات رصاص الاحتلال، بينما يكتفي عباس بلقاءات شكلية مع مبعوثين دوليين لا يقدمون سوى بيانات قلق. هذا التناقض بين بطولة الشارع الفلسطيني وعجز القيادة الرسمية يكشف عمق الانقسام في المشهد الوطني.
ففي الوقت الذي يرى فيه الفلسطينيون في غزة والضفة أن المقاومة هي الخيار الوحيد، يصر عباس على التمسك بمسار تفاوضي ميت منذ عقدين، وبتنسيق أمني لم يجلب سوى المزيد من الدماء. لذلك، يحمّله كثير من الفلسطينيين مسؤولية سياسية وأخلاقية عن استمرار هذه الجرائم، معتبرين صمته نوعًا من الخيانة الوطنية التي تُضعف الجبهة الداخلية وتمنح الاحتلال غطاءً لجرائمه.
وبينما يُشيّع أهالي الفارعة شهيدهم الجديد وسط هتافات الغضب والتحدي، تبدو الضفة على موعد مع تصعيد جديد، حيث لا يمر يوم دون اقتحام أو اعتقال أو شهيد.
لكن وسط هذا السواد، تبقى إرادة الفلسطينيين أقوى من الرصاص، وشهادة عبد الرحمن دراوشة دليلًا على أن جيلًا جديدًا من المقاومة يولد من رحم المعاناة، في مواجهة احتلال لا يعرف الرحمة وسلطة فقدت شرعيتها بالصمت والتواطؤ.
اقرأ أيضًا : لوموند: قوات الدعم السريع تسابق الزمن لإخفاء آثار جرائمها في الفاشر