في مشهد جديد يعكس واقع التضييق المتصاعد على الحريات في تونس، فجّرت عائلة المعارض البارز جوهر بن مبارك المعتقل منذ أكثر من عام والمضرب عن الطعام منذ أسبوعين—اتهامات خطيرة، مؤكدة أنه تعرّض للضرب والتعذيب داخل السجن على أيدي سجناء وأعوان أمن، في واقعة تهزّ الرأي العام وتضع النظام التونسي تحت مزيد من المساءلة الحقوقية.
تقول دليلة بن مبارك مصدق، شقيقة جوهر، في فيديو نشرته على فيسبوك إن “أعوانا ومساجين ضربوه”، مشيرة إلى آثار واضحة على جسده: زرقة، خدوش، وكسر في أحد أضلاعه. وتضيف أن “ستة مساجين وخمسة أعوان قاموا بذلك”، مؤكدة أن الاعتداء كان عنيفًا لدرجة أن شقيقها أُغمي عليه. هذه الشهادة، وفق ما ذكرت، وصلت إليها من المحامية حنان الخميري التي زارت جوهر داخل سجن بلّي.

شهادات قانونية تؤكد التعذيب وانكسار الأضلع
المحامية الخميري لم تتردد في تقديم بلاغ رسمي إلى وكيل الجمهورية، تحدثت فيه عن “تعرض جوهر للاعتداء بالعنف يوم الثلاثاء”، مؤكدة خلال مؤتمر صحفي أن آثار التعذيب كانت واضحة على جسده، وأنه “يشكو من كسر في الضلوع”. هذه التفاصيل، التي تأتي من مصدر قانوني مباشر، تعطي وزنًا إضافيًا إلى الاتهامات وتضع المؤسسة العقابية التونسية أمام اتهام صريح بممارسة العنف الممنهج ضد المعتقلين السياسيين.
وفي المؤتمر الصحفي ذاته، صعّد عز الدين الحزقي، والد جوهر، لهجته بقوله إن “حراس السجن مجرمون”، مستنكرًا محاولة إدارة السجن التهوين من الحادث عبر ادعاء مديرها أن “المحامية هوّلت الأمور”. لكن شقيقة جوهر أكدت في الفيديو أن “الأعوان أمروا المساجين بالاعتداء عليه”، مضيفة بانفعال: “عذبوه لأنه رفض الأكل.. وصلنا لمرحلة التوحّش”. هذه الجملة وحدها تختصر حالة القمع التي يواجهها المعتقلون السياسيون منذ سنوات.
الحزب الجمهوري: الاعتداء رسالة لكسر الإرادة
من جهته، أصدر الحزب الجمهوري المعارض بيانًا شديد اللهجة قال فيه إنه يتابع “بقلق بالغ” الاعتداء الذي تعرض له بن مبارك، معتبرًا أنه “يهدف إلى كسر إرادته وثنيه عن مواصلة إضرابه عن الطعام”. وأعلن الحزب أن أمينه العام عصام الشابي—المعتقل في القضية ذاتها المعروفة بـ”قضية التآمر على أمن الدولة”—قرر مقاطعة المتابعة الصحية لإضرابه احتجاجًا على “تعمّد الهيئة العامة للسجون والإصلاح مغالطة الرأي العام” في بيانها الأخير الذي نفت فيه تدهور صحة المعتقلين أو دخولهم في إضراب عن الطعام.
وأكد البيان أن الشابي، إلى جانب بن مبارك وعبد الحميد الجلاصي ورضا بالحاج، يخوضون إضرابًا مفتوحًا منذ أيام، محمّلين السلطة السياسية وإدارة السجون المسؤولية الكاملة عن سلامة المعتقلين الجسدية والنفسية. واعتبروا أن ما يحدث هو “انتهاك صارخ للقانون ولمبدأ الشفافية”.
إضراب بن مبارك يحرّك الشارع والقيادات المعارضة
بدأ جوهر بن مبارك، الأكاديمي والحقوقي وأحد مؤسسي “جبهة الخلاص الوطني”، إضرابه عن الطعام احتجاجًا على ظروف اعتقاله منذ فبراير/شباط 2023. هذا الإضراب دفع شخصيات سياسية بارزة، بينهم راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة المعتقل، إلى إعلان الإضراب تضامنًا معه.
لكن ردّ الهيئة العامة للسجون والإصلاح جاء مناقضًا لذلك، إذ قالت في بيان إنها “تتابع الوضعيات الصحية لجميع السجناء”، ونفت وجود أي تدهور، بل وصل بها الأمر إلى التشكيك في صحة الإضرابات: “قيام بعض المساجين بإضراب عن الطعام لا أساس له من الصحة… بعد ثبوت زيف ادعاءاتهم خاصة أمام رفضهم الخضوع للفحوصات الطبية”. هذا البيان، وفق المعارضة، يعكس سياسة إنكار ممنهجة تتبناها السلطة منذ سنوات لتبرير القمع.
قمع قيس سعيّد يتصاعد: اعتقالات ممنهجة وصوت واحد
تأتي هذه التطورات في سياق سياسي شديد التوتر، فالرئيس قيس سعيّد—ومنذ 25 يوليو/تموز 2021 حين استحوذ على السلطات—يواجه اتهامات متزايدة بتأسيس نظام تسلّطي يقمع كل الأصوات الناقدة. عشرات من المعارضين، الصحفيين، القضاة، والنشطاء يقبعون خلف القضبان، بينما تتحدث منظمات محلية ودولية عن “تدهور حاد في الحريات”.
اعتقال بن مبارك والغنوشي وغيرهما، وإضراباتهم المتواصلة، إضافة إلى شهادات التعذيب، ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التضييق على المجتمع المدني والمعارضة. وقد سبق لمنظمات حقوقية تونسية ودولية أن حذرت من أن تونس تتجه نحو “منظومة عقابية تُستخدم كأداة سياسية”، وأن ما يحدث اليوم يعيد البلاد إلى مربع “الدولة البوليسية”.
ختام: تونس أمام امتحان قاسٍ للعدالة والحرية
تكشف تفاصيل الاعتداء على جوهر بن مبارك حجم الضغوط التي يتعرض لها المعتقلون السياسيون في تونس، وتفضح ممارسات تعكس انزلاقًا خطيرًا نحو القمع الممنهج. وبينما تتهم العائلة والحزب الجمهوري إدارة السجن والسلطات بالمسؤولية المباشرة عن التعذيب، يبقى السؤال الأبرز: إلى أين يتجه نظام قيس سعيّد؟
هل تستمر سياسة القبضة الحديدية وإدارة القضاء والسجون كأدوات تصفية سياسية؟ أم تشهد تونس موجة ضغط شعبي وحقوقي تجبر السلطة على التراجع؟
في كل الحالات، يبدو واضحًا أن قضية جوهر بن مبارك قد تتحول إلى نقطة اشتعال جديدة داخل المشهد التونسي، وأن محاولات إسكات الأصوات المعارضة لم تعد تمرّ دون فضح أو مواجهة.
اقرأ أيضًا : بفعل الإمارات.. 80% من مرافق دارفور خارج الخدمة