في مشهد درامي وصفته وسائل إعلام عبرية بأنه “أقسى من القصف الإيراني”، بثت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، مقاطع مصوّرة لما قالت إنه كمين مميت نفذته مجموعة من مقاتليها، الثلاثاء، ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب شرق خانيونس جنوب قطاع غزة.

الكمين: عملية محسوبة بلقطات مرعبة

بدأت اللقطات التي نشرتها كتائب القسام برصد دقيق لتحركات وحدات المشاة الإسرائيلية المتوغلة في منطقة مفتوحة شرق خانيونس، حيث أظهر الفيديو استخدام طائرات استطلاع وأجهزة رصد حراري، بينما وثّق المقاتلون تحركات العدو بدقة تامة من موقع التمركز.

لاحقاً، يظهر في التسجيل أحد المقاتلين القساميين وهو يعتلي مدرعة عسكرية إسرائيلية، يزرع عبوة ناسفة مخصصة لتدمير الآليات المدرعة، قبل أن يغادر بسرعة ويبدأ العد التنازلي لتفجيرها. وبعد لحظات، دوى انفجار ضخم دمّر المركبة بالكامل، وأدى إلى مقتل 7 جنود إسرائيليين، بينهم ضابط برتبة رفيعة، بحسب ما أكدته مصادر إسرائيلية لاحقاً.

وتوالت بعد ذلك الانفجارات في الموقع، حيث تم استهداف قوات الدعم الإسرائيلية التي هرعت إلى المكان بقذائف مضادة للأفراد، ما تسبب في مقتل وجرح عدد إضافي من الجنود.

رسائل استراتيجية تتجاوز الميدان

أهمية هذا الكمين لا تكمن فقط في عدد القتلى الذي يُعد من أعلى الخسائر البشرية في صفوف الجيش الإسرائيلي خلال هذا الشهر، بل تتجسد في البعد النفسي والاستراتيجي للعملية. فوفق ما نقلته صحيفة “معاريف”، فإن الضربة وجهت ضربة موجعة لهيبة جيش الاحتلال، وضربت في العمق مبدأ التفوق الاستخباري الإسرائيلي.

ووصف مراسل الشؤون العسكرية في صحيفة “يديعوت أحرونوت” العملية بأنها “أكثر فتكاً وتأثيراً من الضربات الصاروخية التي تلقتها إسرائيل من إيران قبل أسابيع”، مشيرًا إلى أن “المشهد الذي ظهر في الفيديو جلب الهلع في صفوف العائلات الإسرائيلية التي بدأت تفقد الثقة في قدرة الجيش على حماية الجنود داخل غزة”.

ويعكس اختيار الزمان والمكان والطريقة في تنفيذ الهجوم قدرة متجددة للمقاومة على إدارة معركة استنزاف ذكية، تجمع بين الكرّ والفرّ، وضربات مركزة موجعة تخلخل بنية الجيش الإسرائيلي النفسية والميدانية.

الفشل الاستخباري.. وفضيحة الثقة المفقودة

من الواضح أن الكمين فضح ثغرات أمنية واستخبارية فادحة في صفوف الجيش الإسرائيلي. فرغم الحديث المتكرر عن السيطرة على خانيونس “منذ أشهر”، فإن ما حدث يثبت أن المقاومة لم تُهزم، بل تحتفظ ببنية عسكرية تحت الأرض، وأجهزة رصد، ومخازن متفجرات.

ويطرح الكمين تساؤلات حول جدوى الإنفاق العسكري الضخم على التجهيزات التكنولوجية والروبوتات والطائرات دون طيار، التي عجزت عن كشف تحركات مقاتلين بأسلحة بدائية، لكن بعزيمة فتاكة.

اللافت أن هذا النوع من العمليات يعكس تطورًا في تكتيكات المقاومة، إذ لم يعد المقاتلون يكتفون بزرع العبوات أو قنص الجنود، بل باتوا يسيطرون على جزء من الميدان، يزرعون عبوات بشكل مباشر، ثم ينسحبون بسلام، وهو ما يفوق في تعقيده العمليات السابقة التي نفذتها كتائب القسام خلال حرب 2014.

الاحتلال في حالة ذعر.. واستعداد لمرحلة أشد

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، هرتسي هليفي، عقد اجتماعًا طارئًا في أعقاب العملية، وقال في تصريح مقتضب: “سنرد على هذه الخسائر الفادحة. المعركة في خانيونس لم تنتهِ”، إلا أن التصريحات لم تنجح في امتصاص الصدمة في الداخل الإسرائيلي، خاصة أن العملية جاءت بعد أيام قليلة من وقف إطلاق النار المؤقت مع إيران، ما يعكس هشاشة الجبهة الداخلية.

وتشير التقديرات إلى أن إسرائيل تتجه نحو إعادة تقييم انتشار قواتها في غزة، وربما الانسحاب الجزئي من بعض المحاور، لتقليل الخسائر في الأرواح. كما بدأت حملة إعلامية لتحجيم وقع الكمين، وترويج أن الضحايا “قتلوا أثناء تأدية مهام إنسانية”، وهو ما يعكس حالة تخبّط في الرواية الرسمية.

المقاومة تعود بهدوء إلى الصدارة

يؤكد الكمين الأخير أن المقاومة الفلسطينية لم تُهزم رغم أشهر من القصف الإسرائيلي المكثف، وأنها تتطور في أساليبها القتالية رغم قلة الإمكانيات. كما أن بثّ اللقطات بهذه الجودة والدقة يعكس ثقة عالية لدى القسام، ورغبة في تصدير المشهد كرسالة للداخل الفلسطيني بأن “الاحتلال ليس قدَراً”، وللخارج بأن “المقاومة ما زالت تتنفس وتُخطّط وتقتل”.

وفي ظل انهيار الوساطات وفشل الحلول السياسية، تبدو هذه الضربات الذكية كأنها أوراق ضغط حقيقية بيد المقاومة لتغيير ميزان القوى. والمفارقة أن هذه العمليات تُنفذ على بعد أمتار من أكبر تجمعات القوات الإسرائيلية في غزة، في دلالة صريحة أن الأمن الإسرائيلي في مهب الريح، وأن ما تخشاه تل أبيب من حرب استنزاف طويلة الأمد قد بدأ بالفعل.

خاتمة: ما بعد خانيونس ليس كما قبله

الكمين الذي نفذته كتائب القسام في خانيونس قد يشكل نقطة تحوّل في مسار الحرب الدائرة. فبينما تسعى إسرائيل إلى إنهاء معركتها في غزة، تحرص المقاومة على أن يكون الانسحاب الإسرائيلي مدفوعًا بالدم والخسائر، وليس بتفاهمات فارغة. 

وعليه، فإن العملية ليست مجرد حدث عابر، بل هي جزء من استراتيجية “الاستنزاف المتدرج” التي يبدو أن كتائب القسام قد أحكمت خيوطها، وبدأت في قطف ثمارها ميدانيًا، وسياسيًا.

اقرأ أيضًا : عمليات نوعية شرق خانيونس.. القسام يبعث برسائل نارية في عام المقاومة الثاني