لم يعد الوجود العسكري الإسرائيلي في الجزر اليمنية سرًّا أو تسريبًا غامضًا؛ بل بات حقيقة راسخة تشكّل أحد أخطر إفرازات التطبيع الإماراتي مع الاحتلال.
فمنذ اتفاق 2020، فتحت أبوظبي الباب واسعًا أمام تمدد تل أبيب في قلب البحر الأحمر وباب المندب، متجاوزة كل الأعراف والسيادة اليمنية، ومحوّلة الجزر المحتلة إلى قواعد متقدمة تخدم المشروع الإسرائيلي الأمريكي في المياه الإقليمية الأكثر حساسية في العالم.

قواعد عسكرية فوق جزر محتلة
بدأت القصة مبكرًا في مايو 2015، حين وضع التحالف بقيادة السعودية والإمارات يده على جزر يمنية لا علاقة لها بجبهات القتال مع صنعاء. وفي أواخر 2016، ظهرت أولى الملامح الخطيرة: إنشاء قاعدة جوية إماراتية في جزيرة ميون داخل مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية عالميًا. وفي 2020، توسّع هذا الوجود ليصل إلى أرخبيل سقطرى، حيث أُنشئت مراكز مراقبة وتجسس مرتبطة بغواصات إسرائيلية، مزوّدة بتقنيات متقدمة لرصد التحركات البحرية في خليج عدن والبحر العربي.
لم يتوقف الأمر عند ذلك. ففي ديسمبر 2021، نفذت أبوظبي عملية تهجير ممنهجة لأهالي جزيرة عبدالكوري بهدف بناء مدرج للطائرات. وبداية 2025، ثبتت القوات الإماراتية مواقع جديدة تمهيدًا لقاعدة عسكرية في جزيرة زقر، الواقعة على مسافة 32 كيلومترًا فقط من السواحل اليمنية، في خطوة تعرف جيدًا في الأوساط الأمنية بأنها تمثل “حزامًا ناريًا” موجّهًا ضد قوات صنعاء بعد فرضها حصارًا بحريًا على الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر نصرةً لغزة.
غطاء دولي… ووكالة إماراتية
تحاول الإمارات تسويق هذا التوسع كجزء من “حماية الملاحة الدولية”، وهو الخطاب ذاته الذي ترفعه واشنطن ولندن وتل أبيب. لكن الحقيقة أن الأساطيل الأمريكية والبريطانية فشلت خلال العامين الماضيين في تأمين السفن الإسرائيلية، لتلجأ واشنطن إلى “الورقة الإماراتية” باعتبارها الأداة الأكثر طواعية وقدرة على تنفيذ المهام المشبوهة تحت شعارات فضفاضة.
ومع ذلك، فإن الجديد اليوم – كما تحذر عواصم إقليمية – هو أن هذا الوجود لم يعد مقتصرًا على الإمارات وإسرائيل. فبريطانيا دفعت مؤخرًا نحو مؤتمر بحري في السعودية لخلق غطاء إقليمي يحمي الوجود الإسرائيلي في البحر الأحمر، بينما تزداد التحركات الأمريكية في محيط جزر اليمن بوتيرة غير مسبوقة.
إريتريا تدق ناقوس الخطر
أكثر التصريحات وضوحًا جاءت من الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في نوفمبر الماضي، حين وصف التحركات الإماراتية الإسرائيلية بأنها “مؤامرة لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة”. أفورقي، المعروف بمواقفه الرافضة للوجود العسكري الأجنبي، حذّر من قواعد تتم إقامتها على سقطرى وميون وزقر، وربطها بمحاولات “بلقنة الصومال” عبر مشروع الإمارات لإعادة صناعة خارطة النفوذ في القرن الأفريقي.
وفي دولة مثل إريتريا، التي ترفض إقامة أي قاعدة أجنبية على أراضيها، يمكن فهم حجم الخطورة التي يراها أفورقي، خاصة مع التوتر المتصاعد بين أديس أبابا ومقديشو، ووجود مساعٍ إثيوبية لانتزاع منفذ بحري عبر اتفاقات مع “صوماليلاند” التي حولتها أبوظبي وشريكتها إسرائيل إلى قاعدة مشتركة.
تحذيرات تاريخية: من أبّا إيبان إلى اليوم
الخطر الذي تحذر منه عواصم المنطقة ليس جديدًا. ففي يونيو 1966، قال وزير خارجية الاحتلال آنذاك أبّا إيبان:
“إذا سقطت ميون في يد غير صديقة لإسرائيل، فسنكون أمام وضع خطير جدًا.”
اليوم، وبعد ستة عقود، تحقق حلم الاحتلال بفضل الإمارات: ميون وسقطرى وزقر وعبدالكوري كلها باتت مناطق نفوذ إسرائيلي مباشر أو غير مباشر. ولمّا حاول الرئيس اليمني إبراهيم الحمدي في السبعينيات تعزيز الوجود اليمني في باب المندب، اغتيل في واحدة من أكثر الجرائم غموضًا في تاريخ اليمن.
الجزر اليمنية… “الكلمة السرية” في الحرب
ترى صنعاء، كما تؤكد خطابات السيد عبد الملك الحوثي منذ 2017، أن الحرب على اليمن لم تكن يومًا حربًا لـ“استعادة الشرعية”، بل معركة دولية هدفها السيطرة على الجزر والمضائق، وعلى رأسها باب المندب. واليوم يتضح هذا الهدف بجلاء: قواعد، مطارات، مراكز تجسس، وتمركز إسرائيلي مباشر، بينما تواصل حكومة المرتزقة في عدن لعب دور المتفرج.
ويمثل هذا الوجود خطًا موازيًا للصراع البحري بعد أن عطّلت قوات صنعاء ميناء “إيلات” المحتل لسنتين، في تطور قلب موازين القوى البحرية في الإقليم، وجعل الاحتلال يهدد علنًا بشن عدوان جديد على اليمن لإعادة هيبة بحريته المهدورة.
المعادلة الأخيرة: من يحكم باب المندب يحكم شرق المتوسط
المشهد اليوم لا يحتمل اللبس: جزر اليمن المحتلة أصبحت جزءًا من شبكة عسكرية تقودها أبوظبي لصالح إسرائيل، بهدف ضمان التفوق البحري للاحتلال بعد تلقيه ضربات قاسية من القوات اليمنية. لكن الأهم أن هذه السيطرة تمثل تهديدًا مباشرًا لمصر والسودان وجيبوتي ودول القرن الأفريقي، وليس اليمن وحده.
فالمخطط يقوم على معادلة واضحة:
من يسيطر على ميون وزقر وسقطرى وعبدالكوري، يسيطر على باب المندب، ومن يسيطر على باب المندب يسيطر على نصف التجارة العالمية.
ختامًا
إن ما يحدث على الجزر اليمنية ليس شأنًا محليًا، بل معركة إقليمية ودولية تتجاوز حدود اليمن إلى أمن البحر الأحمر كله. وجود الإمارات وإسرائيل هناك ليس إلا امتدادًا لعشر سنوات من الحرب، لكنه اليوم يأخذ شكله الأخطر: تثبيت احتلال طويل الأمد يُمهّد لمعركة جديدة تستهدف صنعاء وداعمي غزة.
اقرأ أيضًا : بينهم بن زايد.. إيلي كوهين: قادة عرب لا يريدون دولة فلسطينية