أثار موقع التواصل الاجتماعي “إكس” موجة جدل واسعة خلال الساعات الماضية، بعد تفعيل ميزة جديدة تسمح للمستخدمين بمعرفة الدولة التي تأسس فيها الحساب، والدولة التي يغرد منها حاليًا. 

ما كان يُعتقد أنه مجرد تحديث تقني، تحوّل سريعًا إلى ساحة اشتباك سياسي وإعلامي، خصوصًا بعدما كشفت الميزة عن مفاجآت تتعلق بحسابات سعودية وإماراتية معارضة ومقرّبة من دوائر الحكم، الأمر الذي فتح بابًا واسعًا للتكهنات حول طبيعة النفوذ الرقمي والتلاعب بالخطاب العام في الخليج.

خريطة مفاجئة.. حسابات سعودية معارضة تُغرّد من الخارج

الميزة الجديدة، التي بدأت بالظهور تدريجيًا للمستخدمين، كشفت أن عددًا كبيرًا من الحسابات المعارضة للنظام السعودي لا يُدار من داخل المملكة، بل من دول عدة مثل اليمن ومصر والإمارات إضافة إلى دول غربية أبرزها بريطانيا وغيرها. ولم يكن اكتشاف هذه المواقع بالأمر الهين؛ إذ جرى تداوله على نطاق واسع داخل هاشتاغ “قائمة المفضوحين”، الذي تصدّر قائمة الأكثر انتشارًا في السعودية.

وبحسب المتداول عبر المنصة، فقد بدت المفارقات صارخة: أصوات ناشطة في انتقاد سياسات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، خاصة فيما يتعلق بالضرائب، الديون السيادية، وإعادة هيكلة الاقتصاد، تتبيّن أنها تغرّد من خارج المملكة، وهو ما فتح الباب لاتهامات متبادلة حول دور شبكات “روبوتات سياسية” تعمل على توجيه الرأي العام.

المفاجأة الأكبر: حسابات تنتقد نيوم… منشأها الإمارات

غير أن الصدمة الكبرى جاءت من الحسابات الأكثر تطرفًا في انتقاد مشاريع التحول الاقتصادي السعودي، لا سيما مشروع “نيوم”، والتي اتضح أن منشأ الكثير منها هو الإمارات، وفق ما أظهرته الخاصية الجديدة. 

هذه الحسابات، التي ظلّت لسنوات تقدم نفسها كمنصّات إصلاحية أو مراقِبة للإنفاق السعودي، وتركّز على ما تسميه “الأخطاء في رؤية 2030”، تبيّن أنها تنطلق من دولة تتنافس مع الرياض بشكل متسارع في مجالات النفوذ الإقليمي، والاقتصاد، والطاقة، والخدمات اللوجستية.

هذا الكشف فجّر نقاشًا حادًا داخل الأوساط السعودية على المنصة، إذ رأى كثيرون أن وجود هذا الكم من الحسابات التي تنتقد اقتصاد المملكة من داخل الإمارات يعكس جانبًا من التوترات المكتومة في العلاقة بين البلدين، والتي تصاعدت خلال السنوات الأخيرة: من خلافات “أوبك+” إلى سباق جذب الاستثمارات والعمالة الماهرة، وصولًا إلى مشاريع المدن المستقبلية.

ورأى مراقبون أن إظهار هذه المواقع يعيد تسليط الضوء على صراع النفوذ المتصاعد بين الرياض وأبوظبي، لا سيما في الفضاء الرقمي الذي تحوّل إلى مساحة لتعزيز الدعاية والتأثير على الرأي العام.

سعوديون يهاجمون الإمارات: “كشفتم أنفسكم”

تحت هاشتاغ “قائمة المفضوحين”، أعاد آلاف المستخدمين السعوديين نشر لقطات تُظهر بلدان تأسيس الحسابات. وجّه بعضهم اتهامات مباشرة إلى أبوظبي بالوقوف خلف “جيش إلكتروني” يستهدف صورة المملكة وقيادتها، بينما ذهب آخرون إلى مطالبة السلطات السعودية بالتحقيق في ما وصفوه بـ “التلاعب الخارجي في الخطاب الوطني”.

وبالرغم من أن بعض الحسابات حاولت إنكار البيانات، إلا أن الميزة أصبحت جزءًا من النظام التقني للمنصة، ولا يمكن للمستخدمين تعديلها أو إخفاؤها بسهولة، ما جعل النقاش أكثر سخونة وتسبّب في انكشاف واسع لمن كانوا يقدمون أنفسهم كأصوات وطنية سعودية.

حسابات دينية وجمع تبرعات.. منشأها دول آسيوية وأفريقية

لم يقتصر الجدل على حسابات المعارضة، بل امتد ليشمل حسابات تحمل أسماء دينية أو تتخصص في الترويج لحملات تبرعات لصالح منصات حكومية مثل “فرجت” الخاصة بتسديد الديون عن المتعثرين. المفاجأة أن بعض هذه الحسابات مؤسس من دول آسيوية وأفريقية، في حين كانت تقدم نفسها كمنابر خيرية سعودية بحتة. وأثار ذلك مخاوف من إمكانية استغلال الشعارات الدينية في عمليات تنسيق دعائي أو حتى مالي.

كيف بدأ الأمر؟… تغريدة واحدة قلبت الطاولة

اللافت أن تفعيل الخاصية لم يكن جزءًا من إعلان رسمي لـ”إكس”، بل جاء نتيجة تفاعل مباشر بين مستخدمة وصنّاع القرار في المنصة. فقد نشرت الصحفية الأمريكية كيتي بافليش تغريدة تقول فيها مخاطبة إيلون ماسك:

“من فضلك ألزم أي حساب بأن يعرض اسم الدولة التي ينتمي إليها أو يقيم فيها. الروبوتات الأجنبية تمزّق أمريكا وتسبب انقسامات. شكرًا لك.”

وما هي إلا دقائق حتى جاء الرد من نيكيتا بير، رئيس قسم المنتجات في “إكس”، قائلاً:

“أمهليني 72 ساعة.”

وبالفعل، بدأ ظهور الميزة تدريجيًا خلال أقل من ثلاثة أيام، ما اعتبره البعض استجابة سياسية أكثر منها تقنية، خاصة في ظل النقاش الأميركي المتصاعد حول التأثير الأجنبي في الانتخابات المقبلة.

هل تُغيّر الخاصية من شكل السجال الخليجي؟

يرى محللون أن هذه الميزة قد تُحدث تحولًا جذريًا في سلوك مستخدمي الخليج، وأنها قد تكشف شبكات التأثير التي كانت تعمل خلف الكواليس. فالكشف عن أن حسابات سعودية معارضة تُدار من الإمارات، أو أن حسابات تنتقد مشاريع سعودية تنطلق من دول أخرى، قد يساهم في إعادة ضبط قواعد اللعبة الإعلامية.

كما قد تزيد الخاصية من التوتر بين القوى الإقليمية التي تستخدم الفضاء الرقمي كأداة ضغط سياسي. وفي الوقت ذاته، قد تُحرج بعض الحكومات التي لطالما اعتمدت على “واجهة شعبية وهمية” لدعم سياساتها أو مهاجمة خصومها.

خلاصة

تفعيل ميزة “إظهار بلد الحساب” على منصة “إكس” لم يكن مجرد تحديث عابر؛ لقد فتح صندوقًا مليئًا بالمفاجآت، وأعاد النقاش حول الجيوش الإلكترونية، والصراع الإقليمي، وتوجيه الرأي العام. وبينما تتراشق الدول الكبرى داخل المنصة حول النفوذ الرقمي، يبدو أن الخليج يقف اليوم أمام اختبار جديد: هل ستكشف هذه الميزة عن المزيد من شبكات التلاعب؟ وهل ستؤدي إلى تهدئة التوتر بين السعودية والإمارات أم تزيده اشتعالًا؟

الجواب لا يزال في طور التشكّل، لكن المؤكد أن “إكس” لم يعد مجرد منصة تواصل… بل ساحة مفتوحة لحروب خفية تكشف أسرارها بنقرة واحدة.

اقرأ أيضًا : أين الوسطاء؟.. الاحتلال يواصل إجرامه: عشرات الشهداء في غارات إسرائيلية تستهدف منازل ومركبة مدنية بغزة