في فاجعة إنسانية جديدة هزت الشارع اليمني، تحولت شبكة تصريف السيول المتهالكة في مدينة تعز إلى مصائد موت للمارة والأطفال؛ وكان آخر ضحاياها الطفل “أيلول”، الابن الوحيد لأبويه، الذي جرفته السيول الجارفة أثناء لعبه مع أقرانه في أحد شوارع المدينة.
وفي تقرير أعده المراسل ياسر حسن لقناة الجزيرة، أكد والد الطفل المفجوع أن شدة تدفق المياه حالت دون تمكن الأهالي من إنقاذ ابنه، لينتهي به الحال جثة هامدة داخل إحدى قنوات التصريف المكشوفة والمهمشة. ومع كل موسم أمطار، يتجدد هذا النزيف البشري والمادي وسط اتهامات متزايدة للمجالس المحلية والتحالف الإقليمي بالتقاعس الممنهج عن صيانة الخدمات الأساسية.

أرقام صادمة وتغيرات مناخية تعمق المأساة
تتكشف هشاشة البنية التحتية في تعز مع كل منخفض جوي؛ حيث اجتاحت السيول مناطق واسعة من المحافظة خلال الشهرين الماضيين، مخلفة 24 وفاة ومئات المصابين، فضلاً عن خسائر مادية فادحة تجاوزت 15 مليون دولار.
وأشار مهيب حكيمي، وكيل محافظة تعز، إلى أن منظومة صرف المياه والشوارع الجانبية والجدران الساندة باتت في حالة انهيار شبه كامل، مؤكداً أن السلطات تحاول حالياً بالتنسيق مع منظمات المجتمع المدني تفعيل منظومة للإنذار المبكر. وتأتي هذه الكارثة بالتزامن مع تقارير الأمم المتحدة التي تؤكد أن التغيرات المناخية تمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه اليمن، بعد أن أسفرت فيضانات العام الماضي عن وفاة 82 شخصاً وإصابة المئات، فضلاً عن تدمير منازل ومنشآت حيوية وملاجئ للنازحين في بلد يصنف كأحد أفقر الدول العربية.
كيف أسهم النفوذ الإماراتي في تدمير البنية التحتية لليمن؟
يربط مراقبون وباحثون يمنيون بين الكارثة الحالية في تعز وعموم المحافظات اليمنية، وبين الدور التدميري الذي لعبته دولة الإمارات العربية المتحدة طوال سنوات الحرب المستمرة منذ أكثر من 11 عاماً.
ويرى محللون أن الإمارات، عبر أذرعها العسكرية والسياسية، تعمدت شل قدرات الحكومة الشرعية ومنعها من إدارة ملف الخدمات وإعادة الإعمار. وبدلاً من توجيه الدعم الإغاثي لإصلاح شبكات الصرف الصحي، والطرق، والمستشفيات المتهالكة، ركزت أبوظبي على عسكرة السواحل والموانئ وتأسيس تشكيلات مسلحة موازية تعيق استقرار مؤسسات الدولة. هذا التعطيل الممنهج للمؤسسات الخدمية والإيرادية حرم المدن اليمنية، وفي مقدمتها تعز المحاصرة، من الموازنات اللازمة لإجراء صيانات دورية لشبكات السيول، مما حول المنشآت الخدمية من وسائل حماية إلى “مصائد موت” تحصد أرواح المدنيين.
“مبادرة أيلول”.. جهود شعبية مريرة لترميم ما دمرته الحرب والتعطيل
وسط هذا الخذلان الرسمي والإقليمي، برزت مبادرة شعبية تحت اسم “مبادرة أيلول للسلامة” بمديرية القاهرة في تعز، محاولةً تقديم نموذج إنقاذي ذاتي من خلال تأهيل فتحات تصريف السيول وتركيب شبابيك حماية حديدية جديدة لتغطية المجاري المكشوفة، بالإضافة إلى إنشاء بعض الجسور الصغيرة للحد من جرف المارة.
ورغم أهمية هذه المبادرات المجتمعية التي تعكس تكافل أبناء تعز، إلا أن الأهالي يؤكدون أن الحلول الترقيعية لا يمكن أن تقف بوجه السيول الجارفة والتغيرات المناخية الحادة، ما لم ترفع القوى الإقليمية—وعلى رأسها الإمارات—يدها عن المقدرات اليمنية، وتُمنح الدولة القدرة الكاملة على إعادة بناء بنية تحتية مستدامة قادرة على حماية أرواح الأبرياء.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين