في مشهدٍ بات مألوفًا حدّ الفجيعة، تواصل آلة الحرب الإسرائيلية حصد الأرواح في قطاع غزة بلا هوادة، لتتخطى حصيلة الشهداء، وفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، حاجز 65 ألف شهيد منذ بدء العدوان المستمر منذ أكثر من 11 شهرًا، وسط قصف متواصل على مختلف مناطق القطاع، وخصوصًا مدينة غزة التي تشهد موجة غير مسبوقة من التدمير الشامل. وبينما يشيع الفلسطينيون يوميًا مئات الضحايا، تزداد التحذيرات من أن الاحتلال ينفذ حرب إبادة جماعية تستهدف المدنيين عمدًا لإرغامهم على النزوح وطمس وجودهم على أرضهم.
حصيلة كارثية وجرائم لا تتوقف
أعلنت وزارة الصحة في غزة، الأربعاء، أن عدد الشهداء ارتفع إلى 65,062 شهيدًا، إضافة إلى أكثر من 165,697 مصابًا، بينهم عشرات الآلاف من النساء والأطفال.
وأشارت إلى أن مستشفيات القطاع استقبلت خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة فقط 98 شهيدًا و385 مصابًا، محذرةً من أن أعدادًا غير معروفة من الضحايا لا تزال تحت أنقاض المنازل المهدمة أو ملقاة في الطرقات، في ظل عجز فرق الدفاع المدني والإسعاف عن الوصول إليهم بسبب استمرار القصف وانعدام أي ممرات آمنة.
ولا تقتصر المجازر على القصف المباشر فحسب، بل باتت المجاعة سلاحًا إضافيًا يفتك بسكان القطاع؛ إذ أكدت الوزارة تسجيل 432 حالة وفاة بسبب الجوع وسوء التغذية، من بينهم 146 طفلًا، في مؤشر صارخ على انهيار المنظومة الإنسانية بالكامل بفعل الحصار والتجويع المتعمد الذي تفرضه قوات الاحتلال.
اجتياح وهمي وتدمير حقيقي
رغم إعلان جيش الاحتلال الثلاثاء أنه “شرع في اجتياح بري لمدينة غزة”، إلا أن شهود العيان والمصادر المحلية ينفون وقوع أي توغل بري فعلي، مؤكدين أن الاحتلال يعتمد على القصف الجوي والمدفعي المكثف، إلى جانب تفجير روبوتات مفخخة داخل المنازل في محيط شارع 8 جنوب المدينة وشرق حي الشيخ رضوان شمالها، وهو أسلوب جديد يستخدمه الجيش لإحداث دمار واسع دون المخاطرة بجنوده.
ويرى محللون أن هذه التكتيكات لا تهدف إلى السيطرة الميدانية بقدر ما تسعى إلى إرهاب السكان ودفعهم للنزوح القسري، وهو ما يرقى إلى جريمة تهجير جماعي وفق القانون الدولي. وبحسب الشواهد، لم يترك الاحتلال حيًا في مدينة غزة إلا وعرّضه للنسف، في محاولة واضحة لتحويل المدينة إلى أطلال.
قصف المنازل ومخيمات النزوح
وفي وسط وجنوب القطاع، ارتُكبت مجازر جديدة خلال الساعات الماضية؛ إذ استهدفت غارات عنيفة منزلًا لعائلة طبازة في مخيم النصيرات وعمارة سكنية في منطقة أبراج عين جالوت جنوب شرق المخيم، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عشرات المدنيين، معظمهم من النساء والأطفال، رغم تلقيهم إنذارًا بالإخلاء لم يسعفهم الوقت لتنفيذه.
وفي مواصي خانيونس جنوب القطاع، استهدفت طائرات مروحية إسرائيلية خيمة تؤوي نازحين في مخيم القادسية، ما أدى إلى استشهاد خمسة فلسطينيين بينهم زوجان وطفلهما، وإصابة آخرين، بالتزامن مع قصف مدفعي وإطلاق نار عشوائي على مناطق شرق ووسط خانيونس، في انتهاك صارخ لحرمة أماكن الإيواء.
حرب إبادة بلا مساءلة
تدل مجمل الوقائع الميدانية على أن الاحتلال الإسرائيلي ينفذ حرب إبادة ممنهجة ضد سكان غزة، لا تفرق بين طفل أو امرأة أو مسن، مستخدمًا القصف العشوائي، الحصار والتجويع، وتدمير البنية التحتية الصحية والإنسانية، في وقت تلتزم فيه المؤسسات الدولية صمتًا مخزيًا أو بيانات إدانة خجولة لا تتبعها أي إجراءات رادعة.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الجرائم بهذا الحجم، وبلوغ عدد الشهداء مستوى غير مسبوق في التاريخ الحديث، يؤكد فشل المنظومة الدولية في حماية المدنيين ويفضح ازدواجية المعايير التي تحكم المواقف الغربية، خصوصًا مع استمرار الدعم العسكري والسياسي غير المشروط الذي توفره الولايات المتحدة ودول أوروبية للاحتلال رغم وضوح جرائمه.
مأساة إنسانية تتفاقم
ومع تجاوز عدد الشهداء عتبة الـ65 ألفًا، تصبح كل عائلة في غزة تقريبًا قد فقدت أحد أفرادها، وسط دمار شبه كامل للبنية التحتية، وانهيار القطاع الصحي، وانتشار الأوبئة، وانعدام المياه والغذاء والكهرباء. ويُحذّر خبراء الأمم المتحدة من أن غزة باتت غير قابلة للحياة فعليًا، وأن ما يجري هو تدمير منظم لمجتمع بأكمله، تمهيدًا لتهجيره وطمس قضيته.
لكن رغم كل هذا الموت والدمار، يواصل سكان غزة التشبث بأرضهم وحقوقهم، في رسالة صمود تقابلها إسرائيل بالمزيد من النار والدم. ومع صمت العالم، تبقى دماء الشهداء وحدها الشاهد الأبلغ على وحشية هذه الحرب وعلى إجرام الاحتلال الذي حول غزة إلى مقبرة جماعية مفتوحة.
اقرأ أيضًا : في موقف نادر.. ملك إسبانيا يدين مجازر غزة: “معاناة تفوق الوصف”