في أول رد رسمي على القصف الجوي السعودي الذي استهدف مواقع تابعة له في محافظة حضرموت، خرج ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي ببيان تصعيدي يكشف عمق الانقسام داخل معسكر التحالف، ويؤكد أن الجنوب اليمني بات ساحة مفتوحة لصراع نفوذ سعودي–إماراتي، يُدار بأدوات محلية ويدفع ثمنه المدنيون والقبائل.
القصف الذي نفذته مقاتلات سعودية الخميس، وطال معسكرًا في وادي نحب بمديرية غيل بن يمين شمال شرقي المكلا، لم يكن مجرد “حادثة ميدانية” عابرة، بل رسالة سياسية وعسكرية مباشرة من الرياض إلى أبوظبي وذراعها المحلية في الجنوب. فقد استهدف الغطاء الجوي السعودي موقعًا كانت قد سيطرت عليه قوات موالية للمجلس الانتقالي، في سابقة تعكس تحوّل الخلافات المكتومة إلى مواجهة مفتوحة.

بيان تصعيدي ورسائل تحدٍّ
المجلس الانتقالي، المدعوم إماراتيًا، لم يحاول التخفيف من وقع القصف، بل اختار لغة التحدي، مؤكدًا أن الغارات “لن تثنيه عن استعادة حقوق شعب الجنوب”، في خطاب انفصالي يعيد إنتاج سردية الصراع على حساب الدولة اليمنية ووحدتها. البيان لم يتوقف عند رفض القصف، بل حاول تبرير التحركات العسكرية في حضرموت والمهرة بذريعة “مكافحة الإرهاب وقطع خطوط تهريب الحوثيين”، في محاولة لتغليف التمدد العسكري بغطاء أمني فضفاض.
غير أن هذا الخطاب يصطدم بواقع ميداني مغاير، إذ جاءت تحركات المجلس على حساب التوازنات القبلية الهشة في حضرموت، ودون أي تفويض سياسي أو توافق وطني، وهو ما دفع حتى السعودية – الراعي الرسمي للتحالف – إلى وصف هذه التحركات بأنها “أحادية” و”غير منسقة”.
اقتحامات واعتقالات… الجنوب تحت السلاح
على الأرض، لم يكتفِ المجلس الانتقالي بالتصريحات، بل صعّد ميدانيًا عبر حملة اقتحامات واسعة طالت مناطق قبلية في غيل بن يمين والشحر، وهي مناطق حساسة تحتضن أهم القطاعات النفطية في حضرموت. مصادر محلية تحدثت عن مداهمات للمنازل، وترويع للنساء والأطفال، واعتقالات عشوائية حولت المديرية إلى ساحة اشتباك مفتوح بين التشكيلات المسلحة التابعة للمجلس والمقاتلين القبليين المنضوين في حلف قبائل حضرموت.
هذه التطورات كشفت الوجه الحقيقي للمجلس الانتقالي كميليشيا مسلحة تفرض أمرًا واقعًا بالقوة، لا كفاعل سياسي يسعى لـ”حماية الجنوب”. فبدل الحوار، لجأ إلى السلاح، وبدل احتواء القبائل، اختار كسرها، في نهج يعيد إلى الأذهان أسوأ نماذج التفكيك التي عاشها اليمن خلال العقد الماضي.
حلف قبائل حضرموت… مقاومة التمدد
في المقابل، أصدر حلف قبائل حضرموت بيانًا شديد اللهجة، اتهم فيه قوات المجلس بانتهاك حرمة المنازل، وإطلاق النار العشوائي، وجرّ المحافظة إلى حرب داخلية. ودعا الحلف قوات النخبة الحضرمية – التي تشكلت بقرار جمهوري عام 2016 – إلى عدم الانجرار خلف مشروع المجلس الانفصالي، محذرًا من تحويلها إلى “دروع بشرية” في معركة لا تخدم أبناء حضرموت.
البيان القبلي حمل دلالة سياسية مهمة، إذ أظهر أن مشروع الانفصال الذي تروّج له أبوظبي عبر المجلس الانتقالي يفتقر إلى الحاضنة الاجتماعية في حضرموت، وأن القبائل باتت ترى فيه تهديدًا مباشرًا لمصالحها وأمنها، لا مشروع “تحرير” كما يُروَّج.
السعودية والإمارات… تمزيق ممنهج لليمن
اللافت أن السعودية، التي شاركت منذ بداية الحرب في تفكيك الدولة اليمنية، وجدت نفسها اليوم في مواجهة مباشرة مع أحد أخطر نتاج هذا التفكيك: ميليشيا انفصالية خرجت عن السيطرة. بيان الخارجية السعودية الذي دعا المجلس إلى الانسحاب من حضرموت والمهرة، وإن جاء بلغة دبلوماسية، يعكس قلقًا حقيقيًا من فقدان النفوذ، ومن تحول الجنوب إلى ساحة صراع إماراتي–سعودي بالوكالة.
لكن هذا “القلق” لا يعفي الرياض ولا أبوظبي من المسؤولية. فالبلدان لعبا دورًا مركزيًا في تمزيق اليمن، عبر دعم الميليشيات، وتغذية الانقسامات، وإضعاف مؤسسات الدولة، حتى باتت البلاد موزعة بين سلطات الأمر الواقع.
إلى أين يتجه الجنوب؟
ما يجري في حضرموت اليوم ليس صراعًا قبليًا معزولًا، ولا مجرد خلاف تكتيكي داخل التحالف، بل مؤشر خطير على انزلاق الجنوب إلى مرحلة جديدة من الفوضى. ميليشيا المجلس الانتقالي، بدعم إماراتي، تصر على فرض مشروع انفصالي بالقوة، بينما تحاول السعودية كبحه بعد أن ساهمت في ولادته.
في المحصلة، يدفع اليمنيون – كما في كل مرة – ثمن صراع الأجندات، فيما تتآكل فرص الحل السياسي، ويتحول الجنوب إلى نموذج آخر لدولة ممزقة، تحكمها الميليشيات، وتدار من الخارج، وتُترك شعوبها لمصير مفتوح على الدم والفوضى.
اقرأ أيضًا : غارات إسرائيلية وقصف واسع على مختلف أنحاء قطاع غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار