في مشهد يعكس هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار، ويؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي يتعامل معه بوصفه غطاءً مؤقتًا لا أكثر، استشهد ثلاثة فلسطينيين، وأصيبت سيدة بجراح، اليوم الاثنين، في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، برصاص وطائرات جيش الاحتلال، في مناطق سبق أن أعلن الانسحاب منها. الحادثة تأتي ضمن سلسلة خروقات متواصلة للاتفاق الساري منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وتكشف بوضوح أن سياسة القتل الممنهج والتدمير لم تتوقف، بل اتخذت أشكالًا أكثر “هدوءًا” وأقل ضجيجًا، دون أن تقل إجرامًا أو خطورة.

اغتيال بطائرة مسيّرة في قلب المدينة
بحسب مصادر طبية، وصلت جثامين الشهداء الثلاثة – عاطف سمير البيوك، محمود صبحي بريكة، ووسام عبد الله سالم العمور – إلى مستشفى ناصر في خان يونس، بعد استهدافهم بواسطة طائرة مسيّرة من نوع “كواد كابتر” في منطقة “البلد” وسط المدينة. ويكتسب هذا الاستهداف دلالة خاصة، إذ وقع في منطقة مدنية مأهولة، كان يفترض – وفق ترتيبات وقف إطلاق النار – أن تكون خارج نطاق العمليات العسكرية.
ولم تكتف قوات الاحتلال بذلك، بل أطلقت النار على سيدة فلسطينية في منطقة “البطن السمين” بخان يونس، ما أدى إلى إصابتها ونقلها لتلقي العلاج. ويشير هذا التصعيد إلى نمط متكرر من استهداف المدنيين في مناطق يُفترض أنها آمنة نسبيًا، ما ينسف عمليًا أي حديث عن التزام إسرائيلي بالاتفاقات الموقعة.
رواية الاحتلال: تبرير القتل الجاهز
في المقابل، سارع الجيش الإسرائيلي إلى تبرير الجريمة، مدعيًا أنه قتل “ثلاثة مسلحين” اقتربوا من قواته داخل ما يسمى “الخط الأصفر” جنوبي القطاع، وزاعمًا أن وجودهم شكّل “تهديدًا مباشرًا”. ووفق البيان الإسرائيلي، فإن سلاح الجو “صفّى” ثلاثة منهم و”حيّد” الرابع، كما ادعى العثور بحوزتهم على أسلحة ومعدات لجمع معلومات استخباراتية.
غير أن هذه الرواية، التي تتكرر مع كل عملية قتل، تصطدم بشهادات ميدانية ووقائع ثابتة، أبرزها أن الاستهداف تم عبر طائرة مسيّرة في منطقة مدنية، وليس خلال اشتباك مسلح، فضلًا عن أن “الخط الأصفر” نفسه بات مفهومًا فضفاضًا تستخدمه إسرائيل لتوسيع دائرة الاستباحة والقتل، حتى في مناطق انسحبت منها سابقًا.
نسف وتدمير.. حرب مستمرة بلا إعلان
بالتوازي مع عمليات القتل، يواصل الاحتلال سياسة التدمير الممنهج. فقد أفاد مراسل الجزيرة مباشر بأن الجيش الإسرائيلي نسف مباني سكنية شرق حي التفاح شرقي مدينة غزة، في إطار عمليات هدم لم تتوقف منذ بدء سريان وقف إطلاق النار. هذه المشاهد تعكس حقيقة أن الهدنة لم تكن سوى توقف جزئي لإطلاق النار، فيما استمرت الحرب على الأرض والبنية التحتية.
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” أن إسرائيل دمرت أكثر من 2500 مبنى في قطاع غزة منذ بدء وقف إطلاق النار قبل أكثر من شهرين، مستندة إلى تحليل صور أقمار صناعية لشركة “بلانت لابز”. وأشارت الصحيفة إلى أن عشرات المباني المدمرة تقع خلف “الخط الأصفر”، أي في مناطق يُفترض أن تكون متاحة لحركة المدنيين، ما يفضح التناقض الصارخ بين الالتزامات المعلنة والممارسات الفعلية.
تدمير ممنهج بذريعة “الأمن”
تزعم إسرائيل أن عمليات النسف تستهدف “أنفاقًا ومنازل مفخخة”، غير أن لقطات ليلية التُقطت في 30 أكتوبر/تشرين الأول، خلال سريان وقف إطلاق النار، أظهرت تفجيرات واسعة النطاق في حي الشجاعية شرقي غزة، في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. هذه الوقائع تعزز الاتهامات بأن الاحتلال يستغل الهدنة لإعادة تشكيل الجغرافيا العمرانية للقطاع، وفرض وقائع ميدانية جديدة، تمهيدًا لسياسات تهجير أو عزل طويلة الأمد.
أرقام تكشف حجم الجريمة
وفق وزارة الصحة في غزة، قتلت إسرائيل 442 فلسطينيًا وأصابت 1236 آخرين منذ بدء سريان وقف إطلاق النار، في خروقات متواصلة للاتفاق. أما منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فقد أسفر العدوان الإسرائيلي عن أكثر من 71 ألف شهيد، وما يزيد على 171 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى تدمير نحو 90% من البنى التحتية المدنية في القطاع. وتقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار، في رقم يعكس حجم الكارثة التي خلفها الاحتلال.
هدنة بلا ضمانات.. وإجرام بلا مساءلة
تكشف أحداث خان يونس وعمليات النسف المتواصلة أن الاحتلال لا يرى في وقف إطلاق النار سوى أداة لإدارة الصراع، لا لإنهائه. فبين الاغتيالات الصامتة بالطائرات المسيّرة، والتدمير المنهجي للمنازل، تتكرس سياسة العقاب الجماعي بحق شعب أعزل، في ظل عجز دولي عن فرض أي مساءلة حقيقية.
وهكذا، تتحول الهدنة إلى عنوان خادع، يخفي وراءه استمرار إجرام الاحتلال، ويترك الفلسطينيين أمام واقع دموي مفتوح، لا تحكمه اتفاقات ولا تضبطه قوانين، سوى قانون القوة الذي يفرضه الاحتلال بلا رادع.
اقرأ أيضًا : اغتيالات ما بعد الحرب: الاحتلال يفعّل عصابات الداخل لاغتيال قيادة في غزة