في تصعيد جديد يعكس طبيعة السياسات الإسرائيلية القائمة على إنكار الحقوق وتفريغ القدس من أي حضور فلسطيني أو دولي فاعل، أقدمت سلطات الاحتلال، اليوم الأربعاء، على إغلاق مركز صحي تابع لـوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في مخيم شعفاط شمالي القدس المحتلة. الخطوة ليست معزولة، بل تأتي ضمن مسار متدرج يستهدف شلّ عمل الوكالة الأممية، التي تمثل أحد آخر الشواهد القانونية والسياسية على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم غير القابل للتصرف في العودة.

إغلاق المركز الصحي، الذي يخدم آلاف اللاجئين في مخيم شعفاط، يعني عمليًا حرمان شريحة واسعة من السكان من خدمات طبية أساسية، في منطقة تعاني أصلًا من تهميش صحي مزمن بفعل سياسات الاحتلال. ولم تتردد بلدية الاحتلال في القدس في إعلان الخطوة، إذ قال نائب رئيسها أرييه كينغ إن “مؤسسة أخرى تابعة للأونروا أُغلقت في القدس”، في تصريح يكشف بوضوح الطابع السياسي المتعمد لهذا الاستهداف، بعيدًا عن أي ذرائع إدارية أو قانونية.

مخيم شعفاط… نموذج للعقاب الجماعي

يمثل مخيم شعفاط أحد أكثر المناطق استهدافًا في القدس المحتلة، حيث يُحاصر المخيم بالجدار العازل، ويُترك سكانه في فراغ قانوني وخدماتي متعمد. ومع إغلاق المركز الصحي التابع للأونروا، يضاف فصل جديد إلى سياسة العقاب الجماعي، التي لا تقتصر على القمع الأمني، بل تمتد إلى تدمير البنية الاجتماعية والإنسانية للمخيمات.

الاحتلال يدرك أن الأونروا ليست مجرد مزود خدمات، بل مؤسسة ترسخ الوجود القانوني للاجئين في القدس، ولذلك يسعى إلى تقويضها باعتبارها “عقبة” أمام مشروع تهويد المدينة. ومن هنا، لا يمكن فصل إغلاق العيادات والمراكز الصحية عن الاستراتيجية الأشمل الرامية إلى تفريغ القدس من أي طابع فلسطيني أو دولي، وتحويلها إلى مدينة خاضعة بالكامل للرواية الصهيونية.

الشيخ جراح والبلدة القديمة: استكمال مشهد الإقصاء

العدوان على الأونروا لم يبدأ من شعفاط، بل سبقه إعلان سلطات الاحتلال، الثلاثاء الماضي، الاستيلاء على مقر الوكالة في حي الشيخ جراح، بالتزامن مع بدء عمليات هدم داخل المقر الذي استخدمته الوكالة منذ عام 1952. هذا المقر لم يكن مجرد مبنى إداري، بل شاهد تاريخي على وجود دولي يعترف بوضع القدس الشرقية كأرض محتلة.

كما أغلقت سلطات الاحتلال، في وقت سابق من الشهر الجاري، عيادة تابعة للأونروا في البلدة القديمة لمدة شهر كامل، في خطوة تعكس إصرارًا على خنق أي نشاط إنساني يخدم الفلسطينيين داخل أسوار القدس. هذه الإجراءات المتلاحقة تؤكد أن الاحتلال لا يتعامل مع الأونروا كمنظمة إغاثية، بل كخصم سياسي يجب إخراجه من المشهد.

تشريع الإجرام: الكنيست غطاء قانوني للتطهير

منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، صعّدت إسرائيل حملتها السياسية والإعلامية ضد الأونروا، متهمة بعض موظفيها بالانتماء إلى حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، دون تقديم أدلة قضائية حاسمة. هذه الاتهامات استُخدمت ذريعة لتمرير قوانين داخل الكنيست الإسرائيلي، كان أبرزها قانون أكتوبر/تشرين الأول 2024 الذي يحظر عمل الأونروا ويمنع أي تواصل رسمي معها.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أعقبته تشريعات أخرى في نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، تقضي بقطع خدمات الكهرباء والمياه عن العقارات التي تشغلها الوكالة. بهذه القوانين، يحاول الاحتلال إضفاء “شرعية” داخلية على سياسات تمثل، وفق القانون الدولي، انتهاكًا صارخًا لالتزامات دولة الاحتلال تجاه المؤسسات الأممية والسكان الواقعين تحت الاحتلال.

الأونروا في مرمى التصفية السياسية

إجبار الحكومة الإسرائيلية الأونروا على إخلاء مقرها في الشيخ جراح مطلع عام 2025، وإغلاق عياداتها في القدس تباعًا، يؤشر إلى أن الهدف النهائي هو إنهاء وجود الوكالة داخل المدينة المحتلة، تمهيدًا لإسقاط ملف اللاجئين من أي مسار سياسي مستقبلي. فالأونروا ليست مجرد هيئة إغاثية، بل تجسيد عملي لاعتراف دولي مستمر بمسؤولية المجتمع الدولي عن قضية اللاجئين الفلسطينيين، وهو ما تسعى إسرائيل إلى محوه بالقوة.

في المحصلة، ما يجري في القدس ليس “نزاعًا إداريًا” مع وكالة أممية، بل جريمة سياسية وإنسانية مكتملة الأركان، تندرج ضمن سياسة التطهير والتهويد وإنكار الحقوق. استهداف الأونروا هو استهداف مباشر للاجئين الفلسطينيين، ومحاولة فظة لإعادة تعريف القدس وفق منطق القوة، في تحدٍ سافر للقانون الدولي، وصمت دولي يرقى إلى التواطؤ.

اقرأ أيضًا : قمع السيسي يتجدد.. اعتقال أحمد دومة يعيد شبح الدولة الأمنية