شهدت مدينة حلب شمالي سوريا، الثلاثاء، تصعيدًا أمنيًا خطيرًا مع اندلاع اشتباكات دامية بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أسفرت عن مقتل سبعة أشخاص على الأقل، بينهم ستة مدنيين، وفق حصيلة أولية، في وقتٍ بدت فيه المدينة على وقع شلل جزئي وإجراءات طارئة اتخذتها السلطات المحلية.

وبحسب مصادر إعلامية سورية، اندلعت الاشتباكات عقب هجوم نفذته قوات قسد على مواقع للجيش السوري داخل المدينة ومحيطها، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، بينهم مدنيون، في أحياء سكنية. وأكدت وكالة الأنباء السورية الرسمية مقتل ثلاثة مدنيين، بينهم امرأتان، إثر استهداف حي سكني، بينما نقلت وكالة فرانس برس أن حصيلة المعارك بلغت سبعة قتلى، معظمهم من المدنيين.

شلل في الحياة العامة وإغلاق طرق حيوية

وفي ظل تدهور الوضع الأمني، أعلنت محافظة حلب تعطيل الدوام الرسمي ليوم واحد، في خطوة احترازية تهدف إلى تقليص حركة المدنيين وحماية الطلاب والموظفين. كما أُغلق الطريق الدولي الرابط بين حلب ومدينة غازي عنتاب التركية عند دوار الليرمون، بعد استهداف قسد لعناصر من الجيش السوري على طريق الكاستيلو، أحد أهم الشرايين الحيوية لحركة النقل والتجارة شمال البلاد.

وتسببت هذه الإجراءات بحالة من القلق بين السكان، الذين يخشون اتساع رقعة الاشتباكات وعودة المدينة إلى دوامة العنف، خاصة أن الاشتباكات وقعت في محيط مناطق مكتظة بالسكان.

تبادل اتهامات وتصعيد إعلامي

في خضم التطورات، تبادل الطرفان الاتهامات بشأن المسؤولية عن اندلاع المواجهات. فقد اتهمت قوات قسد ما وصفتها بـ”فصائل تابعة لحكومة دمشق” باستهداف منطقة دير حافر المكتظة بالمدنيين شرق حلب، محملة إياها كامل المسؤولية عن تداعيات التصعيد. وأكدت في بيان أنها تحتفظ بحق الرد “دفاعًا عن شعبها وحفاظًا على أمن واستقرار مناطقها”.

في المقابل، قالت وزارة الدفاع السورية إن قسد استهدفت حاجزًا للشرطة العسكرية في محيط دير حافر بطائرات مسيّرة، ما أدى إلى إصابة ثلاثة جنود وإعطاب آليتين. وأوضح مصدر عسكري سوري أن الجيش رد باستهداف مصادر إطلاق الطائرات المسيّرة بعد تحديد مواقعها، مشيرًا إلى أن الرد سيكون “محدودًا” لتجنب توسيع دائرة المواجهات.

الطائرات المسيّرة.. تطور خطير

ويعد استخدام الطائرات المسيّرة في هذه الجولة من الاشتباكات مؤشرًا على تصعيد نوعي، ينذر بتداعيات خطيرة في بيئة حضرية مكتظة بالمدنيين. وأفادت تقارير محلية بوقوع إصابات بين الأهالي نتيجة سقوط مقذوفات قرب منازلهم، ما يعمّق المخاوف من ارتفاع أعداد الضحايا في حال استمرار هذا النمط من القتال.

ويرى مراقبون أن هذا التصعيد العسكري يعكس فشلًا سياسيًا موازياً، ويكشف هشاشة التفاهمات الأمنية القائمة، في ظل غياب آليات فاعلة لاحتواء التوتر ومنع انزلاقه إلى مواجهة أوسع.

اتفاق معلّق ومفاوضات متعثرة

تأتي اشتباكات حلب في وقت تشهد فيه المفاوضات بين دمشق وقسد تعثرًا واضحًا. فقد أفادت وسائل إعلام رسمية بانعقاد اجتماعات في العاصمة دمشق بحضور زعيم قسد مظلوم عبدي، لمتابعة تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار 2025 الموقع مع الرئيس السوري أحمد الشرع، غير أن هذه الاجتماعات لم تُسفر عن نتائج ملموسة.

وينص الاتفاق على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة، وفتح المعابر والمطار وحقول النفط والغاز، إلى جانب التأكيد على وحدة الأراضي السورية. إلا أن دمشق تتهم قسد بالمماطلة في تنفيذ بنود الاتفاق، فيما تبرر الأخيرة موقفها بالحاجة إلى ضمانات سياسية وأمنية لم تُنفذ بعد.

الدعم الأميركي ومخاوف الانفجار

وتزداد الأزمة تعقيدًا مع استمرار الدعم الأميركي لقوات قسد، وهو ما تعتبره دمشق عاملًا رئيسيًا في تشجيع التصعيد وفرض وقائع ميدانية بالقوة. ويرى محللون أن هذا الدعم يمنح قسد هامش مناورة أوسع، لكنه في الوقت ذاته يضع المدنيين في مرمى النيران، ويهدد بإعادة خلط الأوراق في شمال سوريا.

في المحصلة، تكشف اشتباكات حلب الأخيرة عن هشاشة الوضع الأمني وتعثر المسار السياسي، حيث يتحول أي خلاف تفاوضي سريعًا إلى مواجهة عسكرية. وبينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر، يبقى مستقبل التهدئة مرهونًا بإرادة الأطراف وقدرتها على ترجمة الاتفاقات الموقعة إلى خطوات عملية توقف نزيف الدم وتعيد الاستقرار إلى واحدة من أكثر المدن السورية إنهاكًا بالحرب.

اقرأ أيضًا : إضراب حتى الموت؟ معتقل أردني في “قضية الصواريخ” يواجه التنكيل داخل السجون