اندلعت مساء الأحد الماضي اشتباكات عنيفة بين قوات الجيش السوري و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على محور دير حافر شرقي حلب، في تصعيد جديد يعيد إلى الواجهة حالة التوتر المستمرة بين الطرفين منذ شهور، وسط تعقيدات ميدانية وسياسية تزيد من هشاشة المشهد السوري.
ووفق وكالة الأنباء الرسمية “سانا”، فإن “قسد” استهدفت بقذائف المدفعية قريتي حميمة والكيطة في ريف دير حافر، ما دفع وحدات الجيش السوري إلى الرد على مصادر النيران. ورغم أن وزارة الدفاع السورية سارعت إلى نفي استهداف المدنيين، إلا أن “قسد” تحدثت عن “انتهاكات ممنهجة” تهدف إلى زعزعة الاستقرار في شمال وشرق البلاد، في ظل تبادل الاتهامات ومحاولات كل طرف لتثبيت نفوذه في المناطق الحدودية الغنية بالثروات.

دمشق تنفي استهداف المدنيين و”قسد” ترد بالاتهامات
في بيان رسمي، نفت وزارة الدفاع السورية ما وصفته بـ”الادعاءات المضللة” من جانب “قسد” بشأن استهداف الجيش للأحياء السكنية في دير حافر، مؤكدة أن عملياتها تقتصر على الرد على مصادر النيران فقط. وقالت الوزارة إن وحدات الجيش “تمارس أعلى درجات ضبط النفس”، وأن الرد الأخير جاء بعد استهداف مواقعه في القريتين المذكورتين.
في المقابل، أصدرت “قسد” بيانًا اتهمت فيه القوات الحكومية بشن غارات بطائرات مسيرة استهدفت مواقعها، منها سيارة عسكرية ودورية لـ”الأمن الداخلي”، ما أدى إلى إصابة عدد من عناصرها. وأضاف البيان أن القصف طال “الأحياء السكنية في دير حافر بهدف بث الذعر بين المدنيين”، معتبراً أن دمشق تسعى إلى “خلق فوضى ممنهجة لإفشال مشروع الإدارة الذاتية شمال شرق سوريا”.
هذا التبادل المتكرر للاتهامات يعكس حالة انعدام الثقة بين الطرفين، اللذين جمعتهما في بعض المراحل تفاهمات مؤقتة بوساطة روسية، لكنها لم تصمد طويلاً أمام تضارب المصالح السياسية والعسكرية، خصوصاً في المناطق الغنية بالنفط شرق البلاد.
تداعيات سياسية وميدانية: اتفاق مجمّد وممرات مغلقة
تأتي الاشتباكات الأخيرة في وقت تشهد فيه العلاقات بين دمشق و”قسد” فتورًا واضحًا، بعد فشل تنفيذ الاتفاق الذي وُقع بينهما في آذار/مارس الماضي، والذي نص على انضمام المليشيا إلى مؤسسات الدولة وتسليم معابر وحقول نفط ومطار رئيسي لسيطرة الحكومة بحلول نهاية العام.
وبحسب مصادر محلية، لم يُنفذ الاتفاق بسبب “عقبات سياسية وأمنية”، فيما تتهم دمشق “قسد” بـ”التنصل من التزاماتها” تحت ضغط أمريكي، إذ ما تزال القوات الأمريكية متمركزة في حقول النفط بمناطق دير الزور والحسكة، مانعةً أي تمدد فعلي لسيطرة الجيش السوري.
تزامن ذلك مع قيام الحكومة السورية بإغلاق طرق رئيسية تربط بين مناطقها ومناطق نفوذ “قسد”، منها طريق سلمية–الطبقة وحاجز زكية على طريق الرقة–حمص، وهي خطوة قرأها مراقبون بأنها محاولة لتقييد حركة “قسد” وإرسال رسالة سياسية بعد انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، التي أعادت تثبيت سلطة النظام في مناطق سيطرته التقليدية.
اكتشاف حقل ألغام وضغوط أمنية
وفي سياق ميداني متصل، أعلنت وزارة الدفاع السورية أن فوج الهندسة التابع للفرقة 66 اكتشف حقلاً ضخماً للألغام يضم أكثر من خمسة آلاف لغم قرب مطار دير الزور، قالت إنه من “مخلفات النظام المخلوع”، في إشارة ضمنية إلى المجموعات المسلحة المعارضة التي كانت تسيطر على المنطقة سابقاً.
ورغم أن العملية اعتُبرت من جانب دمشق “دليلاً على الجهود الحكومية لحماية المدنيين”، إلا أن مراقبين اعتبروا توقيتها رسالة سياسية تهدف إلى تذكير السكان بأن “الدولة وحدها” القادرة على فرض الأمن، في مقابل اتهامات مستمرة للنظام باستخدام الألغام كسلاح في مواجهة خصومه.
تجدد الصراع وإفشال الثورة
تأتي هذه التطورات في ظل مشهد سوري أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع مصالح النظام السوري، و”قسد”، والقوات الروسية والأمريكية، مع مصالح إقليمية متشابكة تشمل تركيا وإيران.
ويرى محللون أن الاشتباكات الأخيرة تمثل جزءًا من محاولات ممنهجة لإعادة إنتاج الصراع السوري بصيغ جديدة، تضمن بقاء النظام في السلطة عبر استثمار الانقسامات الداخلية. فبدلاً من السير نحو تسوية سياسية شاملة تضع حدًّا للحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، تعمل القوى المتصارعة على تأجيج التوترات بين المكونات المحلية، خصوصًا بين العرب والأكراد، بهدف إضعاف أي نواة محتملة لمعارضة موحدة.
كما يُعدّ استهداف “قسد” أو الرد عليها ذريعة تستخدمها دمشق لتبرير استمرار الوجود العسكري في مناطق متوترة، وتثبيت سيطرتها التدريجية على حساب أي نموذج حكم بديل. ومع أن النظام يرفع شعار “مواجهة الانفصاليين”، إلا أن سلوكه الميداني –بحسب مراقبين– يصب في مسار إفشال الثورة التي أطاحت ببشار الأسد سياسيًا رغم بقائه جسديًا في الحكم، من خلال تفتيت المعارضة وإغراق البلاد في حروب جانبية تستنزف الجميع.
خاتمة: سوريا بين الفوضى والاحتواء
تكشف الاشتباكات الأخيرة شرق حلب عن هشاشة التوازنات في سوريا، وعن صراع نفوذ لا ينتهي بين أطراف تتقاسم السيطرة لكنها تتنازع الولاء والمصالح.
وبينما تسعى دمشق لإظهار نفسها كـ”حارس السيادة”، تعمل “قسد” على ترسيخ مشروعها الإداري بدعم غربي، في حين يبقى المدنيون الضحية الأبرز. ومع كل جولة جديدة من العنف، يبدو أن سوريا تُساق أكثر نحو دوامة من الفوضى المنظمة، تعيد إنتاج الصراع وتؤجل أي أفق لحلٍّ سياسي حقيقي يعيد للبلاد وحدتها واستقرارها.
اقرأ أيضًا : خريطة الخداع.. حماس تتحفّظ على خطوط الانسحاب و”إسرائيل” تُخطط للبقاء في ثلاث نقاط استراتيجية