شهدت مدينة أم درمان السودانية تطورًا خطيرًا في مسار الحرب الدائرة بين الجيش وقوات “الدعم السريع”، بعدما أعلنت السلطات عن استهداف محطة كهرباء المرخيات التحويلية بطائرات مسيّرة، ما أدى إلى خروجها الكامل عن الخدمة.
وأكد بيان الجيش أن رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، تفقد المحطة عقب الهجوم الذي وصفه بـ”العدوان الإرهابي”، بينما أدان حاكم ولاية الخرطوم أحمد حمزة تكرار استهداف البنية التحتية المدنية.
الاستهداف لم يكن معزولًا، بل جاء في إطار هجوم متزامن شمل 3 محطات كهرباء في العاصمة، بحسب ما أوردته صحف محلية، بينها السوداني و”سودان تربيون”. ويكشف ذلك عن تحوّل نوعي في استراتيجية “الدعم السريع”، التي انتقلت من السيطرة الميدانية على المدن والأحياء إلى سياسة تدمير ممنهج للبنية التحتية، كوسيلة للضغط على الجيش ولإحداث حالة من الانهيار الكامل في حياة المدنيين.

ذرائع واهية.. وردود متبادلة
في الوقت الذي التزمت فيه قيادة “الدعم السريع” الصمت الرسمي إزاء الاتهامات، خرج “تحالف السودان التأسيسي” المرتبط بها ليعلن مسؤوليته عن الضربات، مدعيًا أنها جاءت ردًا على “استهداف المنشآت المدنية في دارفور وكردفان”. هذه الرواية تعكس سلوكًا متكررًا لمليشيا الدعم السريع التي لطالما قدّمت مبررات واهية لتبرير أفعالها، بينما الواقع يثبت أن المدنيين هم الخاسر الأكبر في كل جولة من هذه الحرب.
فعمليات القصف على محطات الكهرباء لا يمكن النظر إليها إلا كجزء من خطة لشل الحياة اليومية للسودانيين، الذين يعيشون منذ أكثر من عام ونصف على وقع الحرب، وسط نزوح متزايد بلغ 15 مليون نازح ولاجئ، ومجازر حصدت أرواح ما بين 20 ألفًا إلى 130 ألفًا وفق تقديرات الأمم المتحدة وأبحاث مستقلة. هذه الأرقام تكفي لتوضيح أن الحرب لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل تحوّلت إلى مأساة إنسانية كبرى.
اليد الإماراتية الخفية.. تمويل الفوضى وصناعة الخراب
وراء كل هذا الخراب، تقف أصابع خارجية تعبث بالسودان وتغذي الفوضى، وعلى رأسها الإمارات. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم تتوقف التقارير الدولية عن كشف خطوط الإمداد التي تصل إلى مليشيا الدعم السريع عبر الأراضي الليبية وتشاد، برعاية مالية ولوجستية من أبوظبي. الهدف لم يعد خافيًا: إضعاف الجيش الوطني السوداني، وتفكيك البلاد إلى دويلات يسهل التحكم فيها.
تسعى الإمارات، عبر وكلائها، إلى تحويل السودان إلى ساحة فوضى، بما يخدم مصالحها في السيطرة على الموانئ على البحر الأحمر، واستنزاف ثروات الذهب السوداني التي تسيطر عليها مليشيا الدعم السريع بقيادة حميدتي. وبذلك، فإن استهداف محطات الكهرباء ليس سوى خطوة ضمن سلسلة متعمدة لإبقاء السودان في الظلام، حرفيًا ومجازيًا، تمهيدًا لفرض وصاية خارجية على قراره السياسي والاقتصادي.
حرب متعددة الجبهات.. وانهيار الدولة
الهجمات الأخيرة تأتي في وقت تتصاعد فيه الاشتباكات في ولايات دارفور وكردفان، حيث يعيش المدنيون أوضاعًا كارثية من حصار وتجويع وتشريد. فبينما يعلن الدعم السريع استهداف الخرطوم، تستعر المعارك في الفاشر ونيالا والأبيض، لتتحول خريطة السودان إلى لوحة نزيف دموي لا ينتهي.
هذه الحرب المركبة، التي تغذيها الأطماع الإماراتية ودعمها اللوجستي، تهدد ليس فقط وحدة السودان، بل استقرار المنطقة بأكملها. فبلد بحجم السودان، بموارده ومساحته وموقعه الاستراتيجي، إذا انهار بالكامل فسوف يفتح الباب أمام فوضى عابرة للحدود، تجر معها أزمات لا حصر لها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
مسؤولية دولية غائبة.. والمستقبل المجهول
المجتمع الدولي يكتفي ببيانات الشجب والإدانة، بينما تتواصل عمليات القتل والتدمير على الأرض. وحتى المبادرات الإقليمية مثل مسار جدة أو وساطات الاتحاد الإفريقي بقيت رهينة الحسابات الضيقة للدول، وعلى رأسها الإمارات التي تواصل اللعب على كل الحبال.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن وقف هذا النزيف إذا لم تُكبح الأطماع الخارجية، وعلى رأسها الدور الإماراتي التخريبي؟ الواقع يقول إن السودان لن يعرف الاستقرار طالما بقيت المليشيات تدار بالمال والسلاح من عواصم أخرى، وتُستخدم كبندقية للإيجار في صراع النفوذ.
الخلاصة
استهداف محطة المرخيات في أم درمان ليس مجرد حادث أمني عابر، بل هو مؤشر على مرحلة جديدة من الحرب السودانية، حيث انتقل الصراع إلى تدمير شامل للبنية التحتية. وفي قلب هذه الكارثة، يظل الدور الإماراتي عاملًا حاسمًا في تأجيج الحرب وتمويل الفوضى. إن مستقبل السودان اليوم يقف على مفترق طرق: إما الخضوع لمعادلة الخراب المدعومة من الخارج، أو انتزاع القرار الوطني من أيدي العابثين.
اقرأ أيضًا : بن غفير يتحدى قرار المحكمة العليا: تجويع الأسرى مستمر