وصل إلى العاصمة الإسبانية مدريد، مساء الأحد، 29 ناشطًا من المشاركين في “أسطول الصمود العالمي” بعد أيام من الهجوم الإسرائيلي الوحشي عليهم في المياه الدولية، أثناء إبحارهم نحو غزة لكسر الحصار المستمر منذ 18 عامًا.
الرحلة التي نظّمتها شركة “طيران أوروبا” نقلت النشطاء من تل أبيب إلى مدريد، بينهم 21 إسبانيًا، إضافة إلى ناشطين من البرتغال وهولندا. وجاءت هذه الخطوة بعد سلسلة من الانتهاكات التي تعرّض لها المئات من المتضامنين الدوليين الذين شاركوا في الأسطول الإنساني.
وبحسب وكالة الأناضول، فإن السلطات الإسرائيلية أجبرت النشطاء المرحَّلين على توقيع وثيقة اعتراف مزعومة بدخول “غير قانوني” إلى مياهها، في انتهاك فاضح للقانون الدولي الذي يكفل حرية الملاحة في المياه الدولية. وفي المقابل، رفض 28 ناشطًا إسبانيًا آخرون التوقيع على الوثيقة، ما أدى إلى استمرار احتجازهم داخل السجون الإسرائيلية، وسط تقارير عن سوء المعاملة وحرمانهم من حقوقهم الإنسانية الأساسية.
في مطار مدريد، احتُفي بالنشطاء العائدين في مشهد إنساني مؤثر، إذ حضرت وزيرة الصحة الإسبانية مونيكا غارسيا غوميث، وزعيمة حزب “بوديموس” اليساري أيوني بيلارا، إلى جانب عدد من البرلمانيين وممثلي حزب اليسار المتحد، لاستقبالهم. وقالت بيلارا في تصريح صحفي: “ما تعرض له هؤلاء الأبطال هو جريمة ضد الإنسانية، وسنواصل الضغط على الحكومة لاتخاذ موقف واضح ضد الاحتلال الإسرائيلي الذي يعتدي على المدنيين والمتضامنين على حد سواء”.

إسبانيا تتحرك دبلوماسيًا لحماية مواطنيها
وفي سياق متصل، أكّد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن بلاده “تتابع عن كثب أوضاع المحتجزين في السجون الإسرائيلية”، مشيرًا إلى أن الحكومة الإسبانية “تتأكد يوميًا من حصولهم على الطعام والماء والرعاية الصحية اللازمة”.
وأضاف الوزير أن مدريد نقلت احتجاجًا رسميًا إلى السلطات الإسرائيلية بشأن طريقة التعامل مع النشطاء، خاصة أن بعضهم أعضاء في البرلمان الإسباني ويتمتعون بضمانات دبلوماسية، لافتًا إلى أن “إسبانيا لن تقف مكتوفة الأيدي أمام انتهاك حقوق مواطنيها”.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات قد تمهد لمواجهة دبلوماسية مفتوحة بين مدريد وتل أبيب، خصوصًا بعد تصاعد الغضب الشعبي في إسبانيا تجاه السياسات الإسرائيلية، ومطالبة أحزاب اليسار الحكومة بقطع العلاقات العسكرية مع تل أبيب. كما تأتي هذه الأزمة في ظل تصاعد النقد الأوروبي لسلوك الاحتلال في البحر المتوسط، والذي بات يُنظر إليه كقرصنة رسمية تمارسها دولة ضد متضامنين مدنيين.
اعتصام مفتوح في تونس.. “لن نغادر حتى يعود الجميع”
في موازاة التحركات الأوروبية، تتواصل في العاصمة التونسية فعاليات الاعتصام المفتوح أمام السفارة الأميركية، الذي دخل يومه الثالث، احتجاجًا على استمرار احتجاز ناشطين تونسيين ضمن أسطول الصمود.
ورفع المعتصمون شعارات تندد بـ“التواطؤ الأميركي مع الاحتلال” وتطالب بالإفراج الفوري عن جميع النشطاء، مؤكدين أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن جرائم حليفها الإسرائيلي.
وقالت جواهر شنة، عضوة هيئة تسيير “أسطول الصمود المغاربي”، في كلمة أمام المعتصمين مساء الأحد: “لن نغادر هذا المكان حتى يعود كل المشاركين بسلام إلى أوطانهم، وخاصة رفاقنا التونسيين الذين ما زالوا في السجون الإسرائيلية”.
وأضافت أن “الاعتداء على المتضامنين هو استمرار للجريمة الكبرى ضد الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة”، مشيرة إلى أن ما جرى “يكشف ازدواجية المعايير الغربية التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان بينما تصمت عن اعتقال مناصري الحرية”.
إجرام الاحتلال من غزة إلى أعالي البحار
ويعيد الاعتداء على “أسطول الصمود” إلى الأذهان جرائم الاحتلال السابقة بحق الأساطيل الإنسانية، وعلى رأسها مجزرة “مرمرة الزرقاء” عام 2010، حين قتل الجنود الإسرائيليون عشرة متضامنين أتراك كانوا يحملون مساعدات إنسانية إلى غزة.
لكن جريمة هذا العام تتجاوز حدود العنف العسكري إلى نطاق أكبر من التواطؤ الدولي، إذ جرت في المياه الدولية، ما يجعلها وفق القانون البحري الدولي عملاً عدوانيًا ضد المدنيين.
فقد استولت البحرية الإسرائيلية على 42 سفينة مشاركة في الأسطول، واعتقلت مئات النشطاء من أكثر من ثلاثين دولة، بينهم برلمانيون وصحفيون وأطباء وحقوقيون، نقلوا جميعًا إلى سجن كتسيعوت في صحراء النقب. وتحدثت شهادات الناجين عن تعرضهم للضرب المبرح، والإهانة، والحرمان من النوم والطعام لساعات طويلة.
وأكد ناشطون مفرج عنهم أن التونسيين مهاب السنوسي ووائل نوار وياسين القايدي تعرضوا لاعتداءات عنيفة داخل المعتقلات، وجرى فصلهم عن بقية زملائهم في ظروف قاسية.
هذه الانتهاكات، بحسب منظمات حقوقية دولية، تشكّل “خرقًا جسيمًا لاتفاقيات جنيف”، وتعبّر عن نهج إجرامي متكرر لدى الاحتلال، يهدف إلى بث الرعب في نفوس المتضامنين، وردع أي محاولات مستقبلية لكسر الحصار عن غزة.
صمود الشعوب في مواجهة القمع
رغم القمع الوحشي والاعتقالات، أكّد منظمو “أسطول الصمود العالمي” أنهم ماضون في تسيير أساطيل جديدة حتى رفع الحصار عن غزة، معتبرين أن “إسرائيل لن تستطيع إسكات ضمير العالم”.
أما في تونس، فقد تحوّل الاعتصام أمام السفارة الأميركية إلى منصة تضامن يومية، يشارك فيها ناشطون من مختلف التيارات السياسية، مؤكدين أن المعركة لم تعد فقط من أجل غزة، بل من أجل حرية الإنسان في مواجهة الاستبداد والإجرام الدولي المنظَّم.
وفي وقت يلتزم فيه العالم الصمت، تواصل هذه الحركات الشعبية والمبادرات المدنية توجيه صفعة أخلاقية لدولٍ تدّعي الديمقراطية بينما تبرر القتل والحصار.
وهكذا، يظل “أسطول الصمود” أكثر من مجرد قافلة بحرية؛ إنه رمز لعالمٍ لا يزال يقاوم الإجرام والظلم بكل أشكاله، من شواطئ غزة إلى ميادين مدريد وتونس.
اقرأ أيضا : الاحتلال يُعذّب غريتا ثونبرغ ويجبرها على تقبيل العلم الإسرائيلي.. صدمة إنسانية تهزّ العالم