في تصعيد سياسي لافت يعكس عمق الأزمة داخل معسكر الشرعية، طالبت الرئاسة اليمنية دولة الإمارات بالسماح لعضو مجلس القيادة الرئاسي فرج البحسني بمغادرة أراضيها والتوجه إلى العاصمة السعودية الرياض، للمشاركة في أعمال المجلس، في خطوة أعادت فتح ملف التدخلات الإقليمية وحدود النفوذ الإماراتي في القرار اليمني.

طلب رسمي يكشف ما خلف الكواليس

وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء اليمنية سبأ عن مصدر مسؤول في مكتب رئاسة الجمهورية، فإن الطلب جاء “من أجل معالجة الأوضاع في البلاد، وبما يزيل أي غموض أو التباس قائم”، مع تأكيد الرئاسة حرصها على تغليب الحلول المؤسسية، ووحدة الصف، وحماية القرار السيادي.

ورغم اللغة الدبلوماسية المستخدمة، إلا أن مضمون التصريح يعكس أزمة ثقة متصاعدة داخل مجلس القيادة الرئاسي اليمني، وتلميحًا واضحًا إلى وجود أطراف إقليمية تعرقل عمل المجلس وتؤثر في حركة أعضائه، بما يتجاوز الأعراف السياسية والسيادية.

غياب البحسني.. خلل دستوري أم تعطيل سياسي؟

المصدر الرئاسي أشار إلى أن سكرتارية المجلس سجلت خلال الأسابيع الماضية انقطاعًا شبه كامل للتواصل مع البحسني، وتغيبه المستمر عن أداء مهامه الدستورية دون تقديم مبررات، رغم تكرار محاولات الاتصال به. ويكتسب هذا الغياب خطورته من توقيته، إذ تزامن مع تصعيد أمني خطير في محافظتي حضرموت والمهرة، كانت الدولة بحاجة ماسة فيه إلى وحدة القرار وتماسك القيادة.

وتحوّل الغياب، وفق الرئاسة، من مسألة شخصية إلى عامل معطِّل للمسؤولية الجماعية داخل المجلس، في مرحلة وُصفت بأنها “بالغة الحساسية”، ما يجعل استمرار هذا الوضع أمرًا غير مقبول سياسيًا ودستوريًا.

تغريدات وتصعيد خارج إطار الدولة

ولم تتوقف الانتقادات عند حدود الغياب، إذ اعتبر المصدر أن تغريدات البحسني على منصة “إكس” تضمنت “لغة تشجع على التصعيد في حضرموت والمهرة خارج نطاق الدولة”، وتكشف عن مواقف متضاربة إزاء الجهود السعودية الرامية إلى جمع أعضاء المجلس في الرياض للتشاور وتوحيد الموقف.

وأشار إلى أن البحسني وافق في البداية على تلبية الدعوة السعودية منتصف ديسمبر الماضي، قبل أن يتخلف لاحقًا مدعيًا منعه من صعود الطائرة، ثم عاد ليبارك الخطوات السعودية المتعلقة بعقد مؤتمر حول القضية الجنوبية، قبل أن يختفي مجددًا ويتعذر التواصل معه حتى الآن.

الإمارات ودور ما وراء المشهد

القضية، في جوهرها، تتجاوز شخص البحسني، لتسلط الضوء على الدور الإماراتي في الجنوب اليمني. فطلب الرئاسة السماح له بمغادرة أراضي الإمارات يُفهم على نطاق واسع كاتهام ضمني لأبوظبي بفرض قيود على حركة عضو سيادي، واستخدام نفوذها السياسي والأمني للتأثير في مواقف قيادات يمنية.

وتعيد هذه الواقعة إلى الواجهة اتهامات متكررة للإمارات بدعم مشاريع انفصالية في اليمن، عبر رعاية وتسليح ميليشيات محلية، وفي مقدمتها التشكيلات المرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، بما يقوض مسار الدولة الواحدة ويكرس واقع النفوذ المجزأ.

الرئاسة: الصبر بلغ حدوده

وأكد المصدر أن رئاسة مجلس القيادة تعاملت مع الوضع “بأقصى درجات الحكمة”، ومنحت الوقت الكافي للمعالجة الهادئة، تفاديًا لأي تصعيد قد يُفسر خارج السياق المؤسسي. غير أن استمرار الغياب، وتعطيل اجتماعات المجلس، وتأييد إجراءات أحادية خارج إطار الدولة، بات – وفق الرئاسة – “وضعًا مثيرًا للقلق ولا يمكن القبول باستمراره”.

وشدد على أن عضوية مجلس القيادة الرئاسي “مسؤولية دستورية عليا”، تقوم على الالتزام الصارم بإعلان نقل السلطة والقواعد المنظمة لعمل المجلس، ولا يمكن تعطيلها أو تعليقها بفعل مواقف فردية أو حسابات خارج إطار الدولة.

رسالة سيادية مزدوجة

في المحصلة، تمثل مطالبة الرئاسة اليمنية للإمارات بالسماح بمغادرة البحسني رسالة سياسية مزدوجة: داخليًا، لتأكيد أن المسؤولية السيادية لا تقبل الغياب أو الازدواجية؛ وخارجيًا، للتنبيه إلى أن القرار اليمني يجب ألا يظل رهينة تدخلات إقليمية أو مشاريع انفصال تُدار من خلف الستار. 

وهي خطوة قد تفتح فصلًا جديدًا من التوتر داخل معسكر التحالف، وتضع الدور الإماراتي في اليمن تحت مجهر سياسي أكثر حدة.

اقرأ أيضًا : من كيان سياسي إلى مليشيا وظيفية… كيف انتهى «انتقالي عدن» خارج المعادلة؟