في لحظة فارقة من الوعي الجمعي العربي، شهدت العاصمتان التونسية واليمنية مظاهرات جماهيرية واسعة بمناسبة يوم القدس العالمي، حيث خرجت حشود ضخمة تهتف للمقاومة الفلسطينية وتندد بالاحتلال الإسرائيلي والهيمنة الأمريكية، بينما وجهت انتقادات لاذعة للأنظمة العربية المتواطئة مع العدو، في مشهد يعكس الفجوة المتسعة بين نبض الشعوب وقرارات حكامها.
حين تصرخ العاصمة باسم السنوار والقدس
رغم كل محاولات التضييق السياسي والتطبيع الرسمي الزاحف، خرج الآلاف من التونسيين في مسيرة ليلية ضخمة وسط العاصمة تونس إحياءً ليوم القدس العالمي، الذي يصادف الجمعة الأخيرة من شهر رمضان.
هذه التظاهرات لم تكن مجرد تعبير عن التضامن مع غزة، بل تحولت إلى ساحة سياسية وشعبية فضحت من خلالها الجماهير التونسية خنوع الأنظمة العربية، وارتباط بعضها المباشر بتحالفات مع واشنطن وتل أبيب.
المتظاهرون حملوا أعلام فلسطين وتونس ولبنان، إلى جانب صور لرموز المقاومة من حركة حماس وحزب الله، وفي مقدمتهم يحيى السنوار وإسماعيل هنية وحسن نصر الله.
كما رفعت صور قادة جماعة الحوثي، ما يعكس تنامي وحدة محور المقاومة في الوعي الشعبي التونسي، رغم حملات التشويه الإعلامي المتواصلة.
الشعارات التي ترددت كانت لافتة؛ منها “مقاومة مقاومة لا صلح لا مساومة”، و”سيدكم السنوار يا حكام العار”، مما يعكس تحميلًا صريحًا للأنظمة العربية مسؤولية الدم الفلسطيني، واعتبار أن التطبيع خيانة وأن السلام مع الاحتلال لا مكان له في ضمير الشعوب.
وائل نوار، عضو تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين، أكد أن هذه التحركات تأتي استجابة لنداء المقاومة بالنفير العام، داعيًا لوقف فوري للعدوان، ورفع الحصار عن غزة، وتجريم التطبيع.
الأهم أنه أشار إلى البعد الأعمق في المعركة، وهو أن الاحتلال يسعى لتفتيت الشعوب العربية طائفيًا، من فلسطين ولبنان إلى اليمن وسوريا، بما يخدم استراتيجيته الاستعمارية طويلة الأمد.

ثانيًا: صنعاء.. اليمن يتصدر مشهد نصرة القدس رغم الحرب والحصار
على الطرف الآخر من خريطة الانتفاضة الشعبية، خرج عشرات الآلاف من اليمنيين إلى ميدان السبعين في صنعاء تلبية لدعوة زعيم جماعة أنصار الله عبد الملك الحوثي، في مشهد استثنائي بالنظر إلى ظروف اليمن التي مزقها العدوان والحصار منذ سنوات.
الهتافات اليمنية لم تكن أقل وضوحًا من نظيرتها في تونس، بل ربما كانت أكثر حدة، منها: “إسرائيل هي السرطان.. أمريكا أكبر شيطان”، و”سنحرر قدس الإسلام”، ما يعكس عمق الارتباط الوجداني بين الشعب اليمني المحاصر والمقاومة الفلسطينية.
من اللافت أن هذه المظاهرات شملت عدة محافظات خاضعة لسيطرة الحوثيين، مثل الحديدة وصعدة والضالع، مما يعكس اتساع رقعة التأييد الشعبي لقضية فلسطين داخل المجتمع اليمني، حتى في ظل الانقسام والحرب الداخلية.
قناة “المسيرة” التابعة للجماعة أكدت أن هذا الحراك هو تأكيد على استمرار دعم المقاومة، رغم محاولات العزل والتشويه التي تقودها دول عربية وإقليمية.
في السياق ذاته، لا يمكن إغفال الخلفية التاريخية ليوم القدس العالمي، وهي دعوة أطلقها الإمام الخميني عام 1979، لتثبيت الجمعة الأخيرة من رمضان كموعد سنوي لإحياء القدس في وعي الأمة.
وقد نجحت هذه الدعوة، على مدار عقود، في ترسيخ هذا اليوم كثابت مقاوم في وجدان الشعوب، يعلو فيه صوت الجماهير فوق صمت الحكومات.
بين شعوب تقاوم وحكومات تطبع
ما كشفت عنه مظاهرات تونس وصنعاء ليس مجرد حالة تضامن عابرة، بل تعبير صريح عن انقسام خطير في العالم العربي، بين شعوب تتوق إلى التحرير والمقاومة، وأنظمة غارقة في التبعية السياسية والعسكرية للولايات المتحدة وحلفائها.
اللافت أن هذه التظاهرات تتزامن مع تصاعد جرائم الحرب التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، وسط صمت رسمي عربي وتواطؤ دولي، ما جعل الشارع العربي ينفجر غضبًا في أكثر من عاصمة، لكن بدرجات متفاوتة.
بينما تُقمع التظاهرات في بعض الدول، وتُشوه المقاومة في الإعلام الرسمي، فإن شعوبًا كاليمنيين والتونسيين تخرج متحدية الصعاب لتقول كلمتها.
إن ترديد اسم يحيى السنوار وسط العاصمة تونس، وتوحيد الهتافات من شمال أفريقيا إلى جنوب الجزيرة العربية، دليل على أن الوعي الجمعي العربي بدأ يتجاوز الخطوط الحمراء الرسمية، ويستعيد زمام المبادرة.
فالشعوب لم تعد رهينة للخطاب الرسمي المهزوم، بل باتت تصنع خطابها المقاوم، وتُحرج حكوماتها في كل مناسبة.
في المقابل، تتسع دائرة الانتقادات للأنظمة العربية التي لم تكتف بالصمت، بل أصبحت شريكًا في العدوان من خلال التطبيع، والمناورات العسكرية المشتركة، والتضييق على حركات المقاومة.
يوم القدس، في هذا السياق، ليس مجرد مناسبة رمزية، بل صار لحظة كاشفة لإعادة فرز المعسكرات: من يقف مع فلسطين، ومن باعها بثمن بخس.
يوم القدس لهذا العام لم يكن تقليديًا، بل كان صوتًا شعبيًا مدويًا في وجه الاحتلال والتطبيع. مظاهرات تونس واليمن كشفت أن قضية فلسطين لا تزال حية في قلوب الشعوب، وأن الزمن لم يفلح في خنق هذا النبض المقاوم. أمام صمت العواصم، تتكلم الجماهير. وأمام خنوع الحكومات، ترفع الشعوب راية القدس والمقاومة.
اقرأ أيضًا : سجن الناشطة عبير الجمال: حين يتحول دعم غزة إلى “جريمة” في عيون النظام الأردني