في وقتٍ أعلن فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي عن انطلاق المرحلة الثانية من خطته العسكرية “عربات جدعون 2” لاحتلال مدينة غزة بالكامل، باغتت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، الاحتلال بعملية نوعية جديدة أطلقت عليها اسم “عصا موسى”. العملية جاءت كرسالة ردع ميدانية وسياسية، لتؤكد أن المقاومة لا تزال قادرة على المبادرة رغم المجازر المتواصلة، وأن الاحتلال لن يدخل غزة إلا على وقع الخسائر الفادحة.

تفاصيل العملية ومشاهد توثق المواجهة

أعلنت كتائب القسام الأربعاء عن تنفيذ سلسلة هجمات دقيقة شمال قطاع غزة، استهدفت آليات ومدرعات الاحتلال المتوغلة في مدينة جباليا ومحيطها. ونشرت الحركة تسجيلاً مصوراً عبر قناتها الرسمية على “تلغرام”، أظهر لحظة تفجير عبوة ناسفة بناقلة جند إسرائيلية، في مشهد أعاد للأذهان تكتيكات حرب العصابات التي أربكت جيش الاحتلال في أكثر من محطة تاريخية.

الفيديو تضمن أيضاً مشاهد لاستهداف دبابات “ميركافا” بالقذائف المضادة، إلى جانب محاولات جريئة لمقاتلي القسام لاعتلاء إحدى الدبابات وفتح قمرة قيادتها المغلقة من الداخل. كما عرض التسجيل لقطات لاستخدام قذائف “الياسين” المحلية الصنع والأسلحة الرشاشة الثقيلة في مواجهة التوغلات.

ورغم أن القسام لم تعلن رسمياً عن حجم الخسائر الإسرائيلية، إلا أن نشر هذه المقاطع في هذا التوقيت يحمل رسالة واضحة مفادها أن الاحتلال يتكتم على خسائره، وأن المقاومة قادرة على إظهار جانب من المعركة التي يحاول العدو إخفاءها.

“عربات جدعون 2”: خطة الاحتلال المأزومة

تزامن إعلان القسام عن عملية “عصا موسى” مع إطلاق رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير المرحلة الثانية من خطة “عربات جدعون 2″، التي تستهدف السيطرة الكاملة على مدينة غزة بعد تطويقها وتهجير سكانها. هذه الخطة تأتي استكمالاً للعملية السابقة “عربات جدعون” التي نفذها الجيش بين 16 أيار/مايو و6 آب/أغسطس الماضيين، والتي أقرت الأوساط العسكرية الإسرائيلية نفسها بفشلها في تحقيق أهدافها المعلنة.

يبدو أن الاحتلال يحاول عبر “عربات جدعون 2” فرض واقع جديد بالقوة، مستفيداً من الدعم الأمريكي المستمر، لكن في المقابل تكشف عمليات القسام المتكررة أن الميدان لن يكون ساحة سهلة، وأن تكتيكات المقاومة المرنة قادرة على إرباك الخطط العسكرية الضخمة.

الانقسام داخل القيادة الإسرائيلية

العملية الميدانية للقسام تأتي في وقتٍ تشهد فيه القيادة الإسرائيلية انقساماً واضحاً بشأن المضي قدماً في خيار الاحتلال العسكري لمدينة غزة. فبينما أصر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس على التصعيد والمضي بخطة الاحتلال، دعت أوساط أمنية أخرى إلى قبول مقترح التهدئة وتبادل الأسرى الذي طرحته حركة حماس مؤخراً.

هذا الانقسام يعكس حالة الإرباك داخل المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة الاحتلال على الاستمرار في معركة استنزاف طويلة، خاصة مع الخسائر البشرية والمادية التي يتكتم عليها إعلامه.

براعة المقاومة ورسائل “عصا موسى”

عملية “عصا موسى” ليست مجرد هجوم ميداني، بل تعبير عن استراتيجية كاملة تتبعها المقاومة. فمن جهة، هي تؤكد على قدرة القسام على المبادرة والتجديد في الأساليب القتالية، باستخدام وسائل محلية الصنع مثل قذائف “الياسين”، ومن جهة أخرى فهي تحمل رسالة رمزية في التسمية ذات البعد الديني والتاريخي، لتأكيد أن المواجهة ليست مجرد معركة عسكرية، بل صراع وجودي.

براعة المقاومة تتجلى أيضاً في اختيار التوقيت: إعلان العملية جاء بعد ساعات من بدء “عربات جدعون 2″، وكأنها تقول للاحتلال إن أي خطة لاحتلال غزة ستُقابل بمفاجآت ميدانية. كذلك فإن نشر المشاهد المصورة يهدف إلى رفع معنويات الشعب الفلسطيني في ظل المجازر والحصار، وإيصال رسالة إلى الرأي العام العالمي بأن المقاومة لا تزال صامدة.

الكلفة الإنسانية لحرب الاحتلال

يأتي هذا كله في ظل استمرار حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي خلّفت حتى الأربعاء أكثر من 63,746 شهيداً و161,245 جريحاً، معظمهم من النساء والأطفال، إلى جانب أكثر من تسعة آلاف مفقود. كما أدت المجاعة الناتجة عن الحصار الشامل إلى وفاة 367 فلسطينياً بينهم 131 طفلاً.

هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع، وتبرز في الوقت ذاته الدور المعنوي الكبير للمقاومة، حيث يراها الفلسطينيون صمام أمان في وجه آلة الحرب التي تستهدف وجودهم.

خاتمة: معركة الإرادة قبل أن تكون معركة سلاح

عملية “عصا موسى” تكشف أن معركة غزة ليست معركة جغرافيا أو تكتيك عسكري فحسب، بل هي معركة إرادة وصمود. فالاحتلال الذي يمتلك أحدث الأسلحة وأقوى الدعم الدولي، يجد نفسه عاجزاً أمام مقاتلين يملكون عزيمة وإبداعاً في استخدام أدوات بسيطة لكنها فعّالة.

من خلال هذه العملية، تؤكد المقاومة أن غزة ليست أرضاً سائبة، وأن أي محاولة لاحتلالها ستُقابل بمقاومة عنيفة، قادرة على قلب المعادلات وإفشال المخططات. وهكذا، فإن “عصا موسى” ليست مجرد عملية عسكرية بل رسالة استراتيجية تحمل دلالات تتجاوز حدود الميدان، وتؤكد أن الاحتلال مهما صعّد لن يستطيع كسر إرادة شعبٍ متمسك بحقه في الحياة والحرية.

اقرأ أيضًا : “حواجز دبلوماسية” بين القاهرة ولندن.. أزمة تعكس غباء نظام السيسي