بينما تتواصل الضربات الفلسطينية التي وصلت إلى عمق الأراضي المحتلة، تعيش إسرائيل على وقع أزمة داخلية غير مسبوقة، إذ نزل عشرات الآلاف من اليهود الحريديم (المتشددين دينياً) إلى الشوارع هاتفين “الموت أفضل من الجيش”، رفضاً للتجنيد الإجباري الذي أقرّته المحكمة العليا في يونيو/حزيران الماضي.
ففي وقت يروّج فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لانتصارات عسكرية وهمية على غزة، يواجه انفجاراً داخلياً في قلب الكيان، يكشف أن المجتمع الإسرائيلي لم يعد موحداً خلف الجيش الذي كان يُقدَّس يوماً ما، بل بات الانقسام بين المتدينين والعلمانيين يُهدد تماسك الدولة العبرية من الداخل.

أولاً: الحريديم في مواجهة الجيش.. فتيل أزمة قديمة يشتعل من جديد
اندلعت موجة احتجاجات ضخمة، مساء الأربعاء، في عدة مدن إسرائيلية منها القدس وبني براك وصفد وبيت شيمش، بعد أن اعتقلت الشرطة العسكرية ثلاثة من طلاب المعاهد الدينية المتهمين بالتهرب من الخدمة العسكرية.
المتظاهرون أغلقوا الطرقات الرئيسية، وأشعلوا الإطارات، ورفعوا لافتات تندد بما وصفوه بـ”محاولة تدمير الهوية اليهودية”، في حين ردّت الشرطة بعنف لتفريق الحشود مستخدمة خراطيم المياه والقنابل الصوتية.
شعار “الموت أفضل من الجيش” لم يكن مجرد عبارة انفعالية، بل تعبير عن عقيدة راسخة لدى الحريديم الذين يرفضون الخدمة العسكرية بدعوى تكريس حياتهم لدراسة التوراة. هؤلاء يشكلون نحو 13% من السكان، لكن تأثيرهم السياسي والاجتماعي يفوق نسبتهم العددية، إذ يملكون كتلاً حزبية فاعلة داخل الكنيست، أبرزها “شاس” و”يهودات هتوراه”، اللذان يبتزان الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مقابل دعمها البرلماني.
ثانياً: تجنيد قسري أم حرب على الهوية؟
جذور الأزمة تعود إلى قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الصادر في يونيو/حزيران 2024، والذي ألغى الإعفاءات الخاصة بالحريديم، وفرض تجنيدهم الإلزامي أسوة بباقي فئات المجتمع. القرار مثّل صدمة للتيار الديني الذي رأى فيه “اعتداءً على الشريعة”، خاصة أنه ترافق مع قرار آخر بوقف المساعدات المالية للمدارس الدينية التي ترفض الخدمة العسكرية.
هذا التحول القانوني اعتُبر من قبل المتدينين إعلان حرب على نمط حياتهم، بل على “وجودهم الروحي”، وفق وصف كبار الحاخامات الذين دعوا أتباعهم إلى “تمزيق أوامر التجنيد” ومقاطعة الجيش بالكامل.
وبينما تعتبر الحكومة أن العدالة تقتضي المساواة في الواجبات الوطنية، يرى الحريديم أن الاندماج في المؤسسة العسكرية سيؤدي إلى ذوبانهم في المجتمع العلماني، ويهدد بقاءهم كجماعة دينية مغلقة.
ويرى محللون أن الصدام الحالي يتجاوز قضية التجنيد، ليكشف عن فشل المشروع الصهيوني في خلق هوية إسرائيلية موحدة، تجمع بين اليهود المتدينين والعلمانيين والعرب الدروز والمهاجرين الروس، في ظل تصاعد الانقسامات الطبقية والدينية.
ثالثاً: نتنياهو بين مطرقة المقاومة وسندان الشارع الديني
تأتي هذه الاحتجاجات في وقت حرج بالنسبة لنتنياهو، الذي يعيش أسوأ فترات حكمه منذ توليه السلطة، إذ يجد نفسه محاصراً بين ضربات المقاومة الفلسطينية التي وصلت إلى تل أبيب، وبين حلفائه الدينيين الذين يهددون بإسقاط حكومته ما لم يُقرّ قانوناً يعفي أبناء طائفتهم من التجنيد.
المعارضة الإسرائيلية تتهم نتنياهو بالخضوع لابتزاز الحريديم على حساب الأمن القومي، إذ تحاول حكومته تمرير قانون يشرّع الإعفاء الكامل لهم مقابل ضمان دعمهم للبقاء في السلطة.
لكن في المقابل، يواجه رئيس الوزراء ضغوطاً متزايدة من المؤسسة العسكرية والعلمانية التي ترى أن “الدماء لا يمكن أن تُسفك على الجبهة بينما يدرس آخرون التوراة في المعابد”.
هذا التناقض بين “جيش الدولة” و”جيش الرب” يعمق الشرخ داخل المجتمع الإسرائيلي، خصوصاً مع تنامي مشاعر السخط بين الجنود والاحتياطيين الذين يرون أن التضحية بالحياة لا يجب أن تكون حكراً على فئة دون أخرى.
ولم تقتصر الأزمة على الشارع، بل امتدت إلى قلب الحكومة والكنيست، حيث اندلعت مشادات بين الوزراء حول صياغة قانون التجنيد الجديد، وسط تحذيرات من انهيار الائتلاف الحاكم في حال فشل نتنياهو في إرضاء الطرفين.
رابعاً: دولة تتآكل من الداخل والمقاومة تراقب
يرى مراقبون أن ما يجري في شوارع إسرائيل اليوم يعكس أزمة هوية عميقة تهدد تماسك المجتمع الإسرائيلي أكثر مما تفعل الصواريخ القادمة من غزة أو جنوب لبنان.
ففي الوقت الذي نجحت فيه المقاومة في فرض معادلات ردع جديدة، بات الداخل الإسرائيلي يشتعل من تلقاء نفسه، بانقسامات مذهبية وسياسية وطبقية.
ووفق محللين، فإن استمرار الاحتجاجات سيؤدي إلى إضعاف الجبهة الداخلية، ويزيد من الضغط على المؤسسة العسكرية المنهكة أصلاً من الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين.
كما أن مشاهد آلاف اليهود وهم يهتفون “الموت أفضل من الجيش” تمثل صفعة معنوية للمؤسسة الأمنية التي لطالما اعتُبرت حجر الأساس في بقاء الدولة العبرية.
وبينما يطالب الحريديم بالإفراج عن المعتقلين وإلغاء أوامر التجنيد، يطالب آخرون بإصلاح جذري للنظام الذي يميز فئة على حساب أخرى، ما يجعل إسرائيل أمام معادلة وجودية صعبة: إما دولة دينية مفككة، أو مجتمع علماني منقسم على ذاته.
الخاتمة: إسرائيل بين المطرقة والسندان
مع تواصل تصاعد الأزمة الداخلية وتعدد جبهات المقاومة الخارجية، تبدو إسرائيل وكأنها تسير على حبل مشدود فوق هاوية.
فشعار “الموت أفضل من الجيش” لم يعد مجرد احتجاج طائفي، بل مرآة تعكس تصدّع المنظومة التي بنتها الحركة الصهيونية على أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”.
وتشتعل شوارعها بالاحتجاجات، يجد الاحتلال نفسه أمام سؤال وجودي مرعب: كيف يقاتل في الخارج وجبهته الداخلية تتآكل من الداخل؟
اقرأ أيضًا : الإمارات تغذي الحرب بالمسيرات.. الدعم السريع يهاجم سنار ومطار الخرطوم والبرهان يتوعد المرتزقة