في خطوة غير مسبوقة في تاريخ المملكة المتحدة، أعلنت شرطة لندن عن استحداث وحدة أمنية خاصة لحماية اليهود في أعقاب ما وصفته السلطات بموجة من هجمات الكراهية وتصاعد ما أسمته بـ “معاداة السامية”. وتُعد هذه المرة الأولى التي يتم فيها تشكيل قوة أمنية مسلحة تابعة للدولة لحماية مواطنين ينتمون إلى دين أو عرق أو طائفة معينة، وهو ما أثار انتقادات واسعة وتساؤلات حقوقية وسياسية حول ازدواجية المعايير.
لطالما عانت الجاليات الأخرى في بريطانيا، وعلى رأسها الجالية المسلمة، من موجات متكررة من حوادث الكراهية والاعتداءات على المساجد والمراكز الثقافية والمؤسسات التعليمية، إلا أن السلطات البريطانية لم تلجأ يوماً إلى تشكيل وحدات شرطية أو أمنية متخصصة لحمايتهم بالطريقة ذاتها. هذا التباين في التعاطي الرسمي أثار حفيظة الكثير من المراقبين الذين رأوا في هذا القرار انحيازاً صريحاً وتكريساً لمعايير مزدوجة تتعامل مع أمن المواطنين وفقاً لانتماءاتهم الدينية أو العرقية.

تفاصيل الوحدة الأمنية وتصريحات المسؤولين
أعلنت شرطة العاصمة البريطانية عن إنشاء “فريق حماية المجتمع” وسط إجراءات استثنائية، ويمكن تلخيص أبرز ما جاء في هذا الإعلان في النقاط التالية:
- حجم القوة والإمكانيات: يضم الفريق في مرحلته الأولى 100 عنصر، وسيسيّر دوريات متخصصة بالحماية ومكافحة الإرهاب والتهديدات في الأحياء التي تتواجد فيها الجالية بكثافة.
- طبيعة العمل الاستخباراتي: يضم الفريق عناصر محليين ذوي خبرة يعرفون مجتمعاتهم بدقة، ويوفر حماية ذات حضور مرئي متسق ومستمر، مدعوماً بقدرات متخصصة وقائمة على المعلومات الاستخباراتية.
- خطط التوسع: أكد قائد شرطة العاصمة مارك رولي رغبته في رفع العدد إلى 300 عنصر، معتبراً أن الفريق يمثل خطوة مهمة لتعزيز الاستجابة للتهديدات المستمرة.
- تسريع الإجراءات القانونية: أشار المدعي العام لإنجلترا وويلز ستيفن باركنسون إلى تسريع إجراءات النظر في جرائم الكراهية والتضييق على أي ممارسات ضد هذه الطائفة.
انحياز حكومي ومعايير مزدوجة: أين حقوق الطوائف الأخرى؟
إن الإعلان عن هذه القوة الأمنية فتح الباب واسعاً أمام مقارنات مشروعة حول كيفية تعامل الشرطة البريطانية مع الطوائف الأخرى. فخلال فترات تصاعد الإسلاموفوبيا والاعتداءات العنصرية التي طالت المسلمين في بريطانيا، لم تقدم الحكومة على خطوة مماثلة لحماية المساجد أو التجمعات الإسلامية، بل اقتصر الأمر في كثير من الأحيان على إجراءات عادية لا ترتقي لمستوى الحماية الممنوحة اليوم.
ورداً على هذه الانتقادات، سارعت شرطة لندن إلى التأكيد على أن هذا التركيز “لا يعني إهمال أبناء الطوائف الأخرى”، وأنها مستمرة في متابعة جرائم الكراهية بجميع أشكالها، بما في ذلك الجهود المبذولة لمكافحة العنصرية وجرائم الكراهية ضد المسلمين وكراهية المثلية الجنسية وغيرها. ومع ذلك، فإن هذه التبريرات لم تكن كافية لتبديد المخاوف من أن الدولة أصبحت تتعامل مع أمن مواطنيها بتصنيفات مختلفة.
مبادرات الحماية الذاتية والمجتمعية حول العالم
إلى جانب المبادرات الرسمية، تعتمد المجتمعات اليهودية حول العالم على شبكات حماية مجتمعية وتنسيقية، ومن أبرز هذه المبادرات والمنظمات:
- الشومريم (الحرّاس): تأسست بداية في أحياء بروكلين بالولايات المتحدة في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، وتوسعت لتضم مجموعات في أكثر من عشرين دولة لحماية الأحياء اليهودية بالتنسيق مع السلطات والشرطة، رغم ما تواجهه من انتقادات حول التدخل في عمل الشرطة.
- خدمة الأمن المجتمعي (CCS): تأسست في الولايات المتحدة عام 2007، وتعتمد على متطوعين مدربين لتوفير الأمن للمجتمعات اليهودية، ولديها أكثر من ألفي متطوع نشط.
- شبكة المجتمع الآمن (SCN): تعمل كحلقة وصل رسمية في أمريكا الشمالية لجمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها بالتعاون مع وكالات الاستخبارات والأمن الداخلي.
- صندوق الأمن المجتمعي (CST): جمعية خيرية بريطانية نشأت بعد انفصالها عن مجلس نواب اليهود البريطانيين عام 1986 لتوفير السلامة والأمن والنصائح للمجتمع اليهودي في المملكة المتحدة.
- خدمة حماية المجتمع اليهودي (SPCJ): أنشأها مجلس ممثلي المؤسسات اليهودية في فرنسا عام 1980 بعد الهجوم على شارع كوبرنيك في باريس.
خاتمة: تداعيات القرار على النسيج الاجتماعي والسياسي
يعكس استحداث هذه الوحدة الأمنية تغيراً جذرياً في استراتيجيات التعامل مع الأمن المجتمعي في بريطانيا. إن تخصيص وحدة مسلحة تابعة للدولة لحماية طائفة دينية محددة بعينها، وتجاهل الطوائف الأخرى التي تعاني من التمييز والاعتداءات، يهدد بتعميق الانقسامات المجتمعية ويطرح تساؤلات خطيرة حول مدى التزام الدولة بحماية كافة مواطنيها على قدم المساواة، دون تمييز أو تفضيل لفئة على أخرى.
اقرأ أيضًا : نتنياهو يترنح تحت وطأة الفشل: البحث عن “كبش فداء” للتغطية على هزيمة الاحتلال في لبنان