في اعتراف صريح بمدى التآكل النفسي الذي يعصف بكيان الاحتلال، كشفت معطيات حكومية وتقارير إعلامية عبرية عن أزمة وجودية تضرب المؤسسة العسكرية والمجتمع الإسرائيلي على حد سواء. التصريحات التي نقلتها صحيفة “هآرتس” عن مسؤولين بارزين في شعبة القوى البشرية بجيش الاحتلال، والتي لخصت الموقف بعبارة «ظننا أننا نسيطر على الوضع، ثم انفجر في وجوهنا»، تعكس حجم الإخفاق في احتواء تداعيات الحرب المستمرة منذ 7 أكتوبر 2023. إن ما يشهده المجتمع الإسرائيلي اليوم ليس مجرد “أزمة عابرة”، بل هو انهيار نفسي شامل طال ملايين الأشخاص، وسط تصاعد قياسي في معدلات الانتحار والعنف المجتمعي الذي يغذي “النظام الهش” لكيان بات ينهش نفسه من الداخل.

نزيف الصدمة: ثلث “المجتمع” يعاني والجيش يفقد السيطرة
أظهرت الإحصاءات الجديدة أن ما بين 20% و30% من الإسرائيليين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)، وهي نسبة مرعبة تضع ثلث السكان تحت طائلة العجز النفسي. الأخطر من ذلك هو ما يحدث داخل الثكنات؛ ففي شهر أبريل الحالي وحده، سجلت وزارة الصحة 6 حالات انتحار بين الجنود والضباط، ليرتفع الإجمالي منذ بداية 2026 إلى 10 حالات. هذه الأرقام تأتي ضمن منحنى تصاعدي بدأ منذ الحرب، حيث قفزت حالات الانتحار السنوية من متوسط 12 حالة قبل الحرب إلى 22 حالة في 2025، مما يؤكد أن ضغط القتال المتراكم وفشل السردية الأمنية قد خلقا حالة من اليأس الوجودي لدى الجندي الإسرائيلي الذي بات يرى في الموت مهرباً من كوابيس الميدان.
تصدع “الواحة الزائفة”: مخلفات الحرب من مياه الصرف إلى الشوارع
لم تقتصر آثار الصدمة على الجنود في الجبهة، بل امتدت لتكشف عن هشاشة الهيكل الاجتماعي بأكمله. تشير الدراسات الميدانية إلى أن نحو ثلث سكان المناطق المحاذية لغزة أصيبوا باضطراب الوسواس القهري، في حين سجلت تحليلات مياه الصرف الصحي مؤشرات “مرعبة” عن مستويات التوتر؛ حيث ارتفع استهلاك الكافيين بنسبة 425%، وتضاعف استهلاك التبغ، وقفز هرمون التوتر (الكورتيزون) بنسبة 50%. هذا الانكشاف النفسي أدى إلى تضاعف معدلات الإدمان والأرق، مما يثبت أن صورة “البلد الآمن” والمستقر التي حاول الاحتلال تصديرها للعالم قد تحطمت تماماً، ليحل محلها مجتمع يعيش على المهددات والمنبهات للهرب من واقع الهزيمة النفسية.
ثقافة العنف والاستهتار: حينما يرتد “الرصاص المصبوب” إلى الداخل
حذرت تقارير استخباراتية واجتماعية وضعت على طاولة الحكومة من ظاهرة “ارتداد العنف”؛ فالجنود الذين مارسوا القتل اليومي في غزة عادوا إلى مدنهم باستهتار تام بحياة البشر. هذا التوحش انعكس في جريمة بشعة هزت مدينة “بيتح تكفا”، حيث قام 6 فتيان يهود بطعن شاب من أصول إثيوبية حتى الموت بدم بارد. هذه الجريمة، وما تبعها من عجز شرطي عن ملاحقة الجناة لعدة أيام، تكشف عن “مرض مجتمعي” عميق يتغذى على ثقافة الحرب. إن النظام الإسرائيلي الذي يعاني من “هشاشة” في ضبط أمنه الداخلي، يواجه اليوم جيلاً صاعداً تشبع بالعنف، مما ينذر بتفكك النسيج الاجتماعي تحت وطأة الفشل العسكري والأخلاقي.
الفاتورة الاقتصادية والاجتماعية: نزيف المئة مليار
تقدر التقارير الاقتصادية أن تكلفة هذه الاضطرابات النفسية قد تصل إلى 100 مليار شيقل سنوياً (نحو 33 مليار دولار)، تشمل خسائر الإنتاجية وتكاليف العلاج الباهظة. ومع نقص المتخصصين وطول قوائم الانتظار، يجد الكيان نفسه أمام عجز مالي ونفسي لا يمكن ترميمه بصفقات السلاح. إن استمرار القتال لا يرهق الميزانية العسكرية فحسب، بل يدمر رأس المال البشري للكيان، مما يثبت أن الحرب التي شنها الاحتلال في 7 أكتوبر قد تحولت إلى “انتحار بطيء” للمجتمع الإسرائيلي الذي فقد بوصلة الأمان وبات يغرق في دوامة من الاكتئاب، الإدمان، والعنف المتبادل.
اقرأ أيضًا : نتنياهو يترنح تحت وطأة الفشل: البحث عن “كبش فداء” للتغطية على هزيمة الاحتلال في لبنان