في خطوة تعكس بوضوح اهتزاز الأسس المالية لمشاريع «رؤية 2030»، علّقت السعودية العمل في مشروع «المكعب»، أحد أكثر المشاريع الرمزية والجدلية في قلب العاصمة الرياض، وسط إعادة تقييم شاملة لجدواه وتمويله، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» عن مصادر مطلعة. القرار لا يبدو تقنيًا أو مرحليًا بقدر ما يكشف عن مأزق أعمق تعيشه السياسة الاقتصادية التي يقودها ولي العهد محمد بن سلمان، والتي قامت على إنفاق ضخم، وطموحات شبه خيالية، دون سند مالي مستدام.

«المكعب».. من أيقونة مستقبلية إلى عبء مالي
كان «المكعب» يُسوَّق باعتباره جوهرة مشروع «المربّع الجديد» في وسط الرياض، وهي ناطحة سحاب عملاقة على شكل مكعّب معدني بأبعاد 400×400 متر، تضم قبة تفاعلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتُقدَّم للعالم بوصفها تجربة غير مسبوقة. لكن ما جرى على الأرض مختلف تمامًا؛ فبحسب مصادر مطلعة، توقفت الأعمال عند مرحلة الحفر وتنفيذ الأوتاد، بينما أُجِّل استكمال المشروع إلى أجل غير معلوم.
هذا التوقف لا يمكن فصله عن سياق أوسع يتمثل في تقليص أو تأجيل عدد متزايد من المشاريع العملاقة التي ارتبطت بشخص محمد بن سلمان، وتحولت من أدوات دعاية سياسية إلى أعباء مالية ثقيلة على صندوق الاستثمارات العامة.
صندوق الاستثمارات العامة… من التوسع المفرط إلى الانكماش القسري
يملك صندوق الاستثمارات العامة أصولًا تُقدَّر بنحو 925 مليار دولار، لكنه بات اليوم تحت ضغط متزايد نتيجة شطب استثمارات بقيمة 8 مليارات دولار في نهاية عام 2024، وتراجع أسعار النفط عن المستويات اللازمة لتمويل سباق المشاريع العملاقة. وبدلًا من الاعتراف بفشل النموذج الاقتصادي القائم على «الصدمة البصرية» والمشاريع الاستعراضية، يحاول الصندوق إعادة التموضع عبر التحول إلى قطاعات أكثر ربحية على المدى القصير، مثل اللوجستيات، والتعدين، والذكاء الاصطناعي.
هذا التحول يعني عمليًا أن مشاريع مثل «المكعب» لم تعد أولوية، لأنها لا تولد عوائد سريعة، ولا تخدم الاستحقاقات السياسية العاجلة، وعلى رأسها استضافة «إكسبو 2030» وكأس العالم 2034.
من نيوم إلى الرياض… الانكماش يطال العاصمة
لم يعد التراجع مقتصرًا على مشاريع الأطراف مثل «ذا لاين» و«تروجينا» في نيوم، بل وصل إلى قلب العاصمة نفسها. فـ«المكعب» هو أول مشروع ضخم في الرياض يُعلَن رسميًا عن إعادة تقييم جدواه، ما ينسف السردية التي حاولت السلطة ترسيخها بأن العاصمة محصّنة من التقليص.
وكان من المقرر إنجاز «المربّع الجديد» بحلول عام 2030، قبل أن يُمدد الموعد إلى 2040، في اعتراف غير مباشر بأن الوعود السابقة كانت أقرب إلى الدعاية منها إلى التخطيط الواقعي.
أرقام ضخمة… ونتائج غائبة
تقدّر شركة «نايت فرانك» تكلفة مشروع «المربّع الجديد» بنحو 50 مليار دولار، أي ما يعادل تقريبًا الناتج المحلي الإجمالي لدولة مثل الأردن، في حين لم تتجاوز قيمة الأعمال التي جرى تكليفها فعليًا 100 مليون دولار فقط. ورغم الحديث الرسمي عن 104 آلاف وحدة سكنية و334 ألف وظيفة، إلا أن هذه الأرقام تبقى حبرًا على ورق في ظل توقف المشاريع أو تقليصها.
الأخطر أن هذه السياسة القائمة على الوعود المؤجلة تخلق حالة من عدم اليقين في السوق، وتُضعف ثقة المستثمرين، وتحوّل الاقتصاد السعودي إلى اقتصاد رهانات مؤجلة بدلًا من اقتصاد إنتاج فعلي.
اعتراف رسمي… بلا محاسبة
تصريحات وزير الاقتصاد فيصل الإبراهيم عن «الشفافية» و«إعادة التقييم» لا تغيّر من حقيقة أن هذه التعديلات تأتي بعد إنفاق عشرات المليارات، وبعد تسويق مشاريع على أنها منجزات تاريخية. فالشفافية الحقيقية لا تكون في الاعتراف المتأخر، بل في المحاسبة، وهو ما يغيب تمامًا في نموذج الحكم القائم على تركيز القرار الاقتصادي في يد ولي العهد.
جدل ديني واجتماعي يزيد العبء
إلى جانب الفشل الاقتصادي، أثار تصميم «المكعب» جدلًا واسعًا بسبب تشابهه مع الكعبة المشرفة، ما فتح باب انتقادات دينية واجتماعية، وأحرج السلطة التي حاولت لاحقًا تجاهل الجدل بدلًا من معالجته. هذا الجدل لم يكن هامشيًا، بل زاد من هشاشة المشروع سياسيًا وشعبيًا.
اقتصاد مُدار بالهوس الشخصي
في المحصلة، لا يمكن قراءة تعليق مشروع «المكعب» إلا بوصفه حلقة جديدة في سلسلة إخفاقات نموذج محمد بن سلمان الاقتصادي، القائم على الهوس بالمشاريع العملاقة، وتجاهل الأولويات الاجتماعية، وربط الاقتصاد برؤية فرد واحد. ومع تراجع النفط، وتزايد الالتزامات، تتكشف الحقيقة: ما جرى ليس «إعادة تقييم»، بل اعتراف متأخر بأن ولي العهد قاد الاقتصاد السعودي إلى مغامرة مكلفة، نتائجها الآن تتضح على حساب المال العام والمستقبل الاقتصادي للبلاد.
اقرأ أيضا : مغاربة يحرقون العلم الإسرائيلي قرب الحدود الجزائرية… غضب شعبي يتحدى التطبيع الرسمي