في تطور لافت يعكس عمق التناقض بين الخطاب الحقوقي البريطاني والممارسات السياسية الفعلية، أصدرت محكمة بريطانية حكمًا ببراءة ستة نشطاء مؤيدين لفلسطين، بعد اتهامهم باقتحام مصنع أسلحة تابع لشركة إسرائيلية عام 2024. الحكم، الذي نقلته وكالة رويترز فتح مجددًا باب الجدل حول دور بريطانيا في دعم آلة الحرب الإسرائيلية، وحدود القمع الممارس ضد الحركات التضامنية مع الشعب الفلسطيني.

القضية، التي شغلت الرأي العام الحقوقي والإعلامي لأشهر، تحولت إلى محاكمة سياسية بامتياز، تجاوزت بعدها القانوني لتصبح اختبارًا حقيقيًا لمصداقية النظام القضائي في مواجهة الضغوط الأمنية والسياسية.

خلفيات القضية واقتحام مصنع السلاح

تعود وقائع القضية إلى عام 2024، حين اقتحم النشطاء مصنعًا تديره شركة Elbit Systems في بريطانيا، احتجاجًا على دورها في تزويد جيش الاحتلال بالتكنولوجيا والأسلحة المستخدمة في العدوان على الفلسطينيين.

ورأى النشطاء حينها أن تحركهم يندرج ضمن “العصيان المدني المشروع”، في مواجهة ما وصفوه بـ”التواطؤ البريطاني” مع جرائم الحرب. وقد شملت العملية تعطيل خطوط الإنتاج وإلحاق أضرار بالمعدات، في رسالة سياسية مباشرة ضد استمرار تصدير السلاح.

السلطات البريطانية، من جانبها، تعاملت مع الواقعة بوصفها “هجومًا عنيفًا على منشأة استراتيجية”، ووجهت للنشطاء تهمًا خطيرة، من بينها السطو المقترن بالعنف وإحداث الفوضى والإضرار بالممتلكات العامة.

تفاصيل المحاكمة والانقسام داخل هيئة المحلفين

خلال جلسات المحاكمة في محكمة وولويتش كراون بـ لندن، أنكر المتهمون جميع التهم الموجهة إليهم، مؤكدين أن تحركهم كان سلميًا وموجّهًا ضد “صناعة القتل” وليس ضد أفراد أو مؤسسات مدنية.

وبرأت هيئة المحلفين ثلاثة من النشطاء من تهم الفوضى العنيفة، فيما عجزت عن التوصل إلى قرار بشأن الآخرين، بعد أكثر من 36 ساعة من المداولات المكثفة. كما لم تحسم الهيئة تهمة الاعتداء الجسدي الموجهة لأحد المتهمين، والمتعلقة بإصابة شرطية أثناء الاشتباك.

هذا الانقسام داخل هيئة المحلفين يعكس، في جوهره، حالة التردد الأخلاقي التي يعيشها المجتمع البريطاني عند التعامل مع قضايا تتعلق بفلسطين، بين الالتزام بالقانون من جهة، والتعاطف المتزايد مع الضحايا من جهة أخرى.

فلسطين أكشن وتجريم التضامن الشعبي

اتهم الادعاء النشطاء بالانتماء إلى جماعة Palestine Action، التي تنشط في استهداف شركات السلاح المرتبطة بإسرائيل، وقد أدرجتها السلطات البريطانية لاحقًا ضمن الجماعات “المحظورة”.

وتتهم منظمات حقوقية الحكومة البريطانية باستخدام قوانين “مكافحة التطرف” و”الأمن القومي” لتجريم أي نشاط داعم لفلسطين، حتى لو كان سلميًا. ويُنظر إلى تصنيف هذه الجماعة باعتباره خطوة سياسية هدفها خنق الحراك الشعبي، لا حماية الأمن.

ويأتي ذلك في سياق أوسع من التضييق، شمل ملاحقة مظاهرات، واعتقال نشطاء، ومراقبة المحتوى الرقمي المتضامن مع غزة، في مشهد يعكس انحيازًا واضحًا للسياسات الإسرائيلية.

ازدواجية الموقف البريطاني بين الخطاب والممارسة

لطالما قدّمت بريطانيا نفسها كحامية لحقوق الإنسان ودولة قانون، غير أن ممارساتها تجاه القضية الفلسطينية تكشف ازدواجية صارخة. فمن جهة، تصدر بيانات “قلق” حول الأوضاع الإنسانية، ومن جهة أخرى، تواصل تصدير السلاح ودعم الصناعات العسكرية المرتبطة بالاحتلال.

وتشير تقارير مستقلة إلى أن شركات بريطانية وإسرائيلية تعمل بتنسيق مباشر في تطوير أنظمة المراقبة والطائرات المسيّرة والأسلحة الذكية، التي جُرّبت ميدانيًا في غزة والضفة الغربية.

وفي هذا السياق، تبدو ملاحقة النشطاء محاولة لإسكات الأصوات التي تكشف هذه العلاقة، أكثر من كونها إجراءً قانونيًا بحتًا.

دلالات البراءة ورسائلها السياسية

رغم الضغوط، جاء حكم البراءة بمثابة صفعة للمؤسسة السياسية والأمنية، ورسالة واضحة بأن الرواية الرسمية ليست مقنعة دائمًا. فقد أقرّت هيئة المحلفين، ضمنيًا، بأن تحرك النشطاء لا يمكن فصله عن سياق الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.

كما أعاد الحكم الاعتبار لفكرة “الاحتجاج الأخلاقي”، التي ترى أن مقاومة الظلم قد تتخذ أشكالًا تتجاوز القوانين الظالمة نفسها.

ويؤكد ناشطون أن هذه البراءة لن تكون نهاية المعركة، بل محطة جديدة في صراع طويل بين الدولة وأصوات التضامن.

خاتمة: عدالة مؤقتة في نظام منحاز

تبرئة النشطاء الستة تمثل انتصارًا محدودًا في معركة أكبر، تكشف فيها بريطانيا يومًا بعد يوم انحيازها البنيوي للاحتلال الإسرائيلي، على حساب العدالة وحقوق الشعوب.

ورغم هذا الحكم، لا تزال السياسات الرسمية تمضي في مسار القمع والتجريم، ما يجعل العدالة أقرب إلى استثناء مؤقت منها إلى قاعدة ثابتة.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تمثل هذه القضية بداية مراجعة حقيقية لدور بريطانيا في دعم الاحتلال، أم مجرد محطة عابرة في سجل طويل من التواطؤ والصمت؟

اقرأ أيضًا : قمع قيس سعيد يتجسد بمحاكمات التآمر السياسية