في صباح الثلاثاء الثالث من فبراير 2025، نشر إيلون ماسك، أحد أكثر الشخصيات ثراءً ونفوذًا في العالم، عدة تغريدات تهاجم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية  “USAID”  بوصفها شبكة عالمية للرقابة على الإنترنت، تضم مئات المنظمات غير الحكومية، بهدف الضغط على الحكومات الأجنبية لتشريع قوانين تقيد حرية التعبير على وسائل التواصل الاجتماعي؟، وكونها منظمة فاسدة، وأهدافها المعلنة خلاف مهمتها الحقيقية.

وأعاد ماسك تغريد منشورات لمايك بنز، الباحث المتخصص في تقنيات الرقابة العالمية، والذي كشف وثائق تُظهر أن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) متورطة في تمويل مشاريع سياسية لخدمة أجندات الحكومة الأمريكية مثل مشروع  فرض “الصمت الاستراتيجي” على وسائل الإعلام تحت ستار مكافحة المعلومات المضللة، لكنه كان أداة لإسكات الأصوات المعارضة للسياسات الأمريكية، وعلى رأسها الأصوات التي انتقدت حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة.

وكشف  إيلون ماسك عن موافقة الرئيس ترامب على إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، بعد تقارير تفيد بأن ممثلين عن وزارة كفاءة الحكومة، التي يترأسها ماسك، زاروا المقر الرئيسي للوكالة في العاصمة واشنطن ووصلوا إلى أماكن مصنفة سرية وبيانات تخص مواطنين أمريكيين، وفقا لما ذكره موقع إكسيوس الإخباري الأمريكي.

وبالفعل صدر أمر تنفيذي من الرئيس دونالد ترامب، يُعلن فيه تجميد جميع المساعدات الخارجية لمدة 90 يومًا، مما أدى إلى تعطيل عمليات USAID وإغلاق موقعها الإلكتروني بالكامل.

 

 

لم يكن هذا القرار جزءًا من حملة لمكافحة الفساد أو إعادة ضبط السياسة الخارجية، بل كان انعكاسًا لصراع سياسي داخلي بين ترامب وخصومه من الحزب الديمقراطي، الذين لطالما استخدموا الوكالة كأداة سياسية لنشر النفوذ الأمريكي تحت غطاء المساعدات التنموية.

ترامب لم يكن مهتمًا بتحقيق العدالة أو كشف الحقائق، لكنه رأى في استهداف USAID ضربة مزدوجة:

  • أولًا: تجميد المساعدات الخارجية يتماشى مع رؤيته القومية المتشددة، التي ترفض إنفاق الأموال الأمريكية على “دول لا تستحقها”، كما كان يقول في حملاته الانتخابية.
  • ثانيًا: تفكيك النفوذ البيروقراطي الذي بناه خصومه السياسيون لعقود، خاصة في المؤسسات التي تُستخدم كأدوات خفية للسياسة الخارجية الأمريكية.

لكن مهما كانت دوافع ترامب، فإن النتيجة كانت فضحًا غير مسبوق لعمل USAID، وإبراز حقيقتها كأداة سياسية أكثر منها مؤسسة خيرية.

كيف تحولت USAID من وكالة إغاثة إلى سلاح سياسي؟

تأسست USAID في 1961 كجزء من الحرب الباردة، وكان الهدف المعلن هو تقديم المساعدات للدول النامية لتعزيز الاستقرار والتنمية. لكن الواقع أثبت أنها كانت دائمًا ذراعًا سياسية واستخباراتية، تُستخدم لخدمة المصالح الأمريكية بطرق ملتوية.

1- مشروع “الصمت الاستراتيجي”: قمع الإعلام لكتم أصوات غزة

أحد أكثر المشاريع المثيرة للجدل التي مولتها USAID مؤخرًا هو “الصمت الاستراتيجي”، وهو برنامج تم تسريبه مؤخرًا يهدف إلى:

  • توجيه وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية حول العالم للالتزام بسردية موحدة، تدعم السياسات الأمريكية.
  • إسكات أي أصوات ناقدة للحرب الإسرائيلية على غزة، واعتبار أي انتقاد “معلومات مضللة” تستوجب الحذف.
  • دعم منصات تواصل اجتماعي بآليات خوارزمية تمنع انتشار المحتوى الذي يُدين إسرائيل أو يتحدث عن جرائمها في فلسطين.

2- برامج USAID في كوبا

– “زون زوني” في كوبا (2010): تويتر مزيف لإسقاط الحكومة

في 2014، كشفت وثائق مسربة أن USAID أنشأت منصة تواصل اجتماعي “زون زوني” داخل كوبا، كانت تبدو وكأنها وسيلة لحرية التعبير، لكنها في الواقع كانت أداة أمريكية سرية لتنظيم احتجاجات تهدف إلى إسقاط الحكومة الكوبية.

– برنامج الوقاية من الإيدز في كوبا (2009-2011): غطاء سياسي

في فضيحة أخرى، استُخدمت برامج الوقاية من الإيدز كغطاء لإرسال ناشطين سياسيين إلى كوبا، حيث تم تدريبهم على التأثير في الشباب الكوبي وتحريضهم على الثورة ضد النظام.

هل USAID مجرد البداية؟

مع انهيار مصداقية USAID بعد هذه الفضائح، أصبح السؤال:

ماذا عن باقي الوكالات الأمريكية العاملة في الخارج؟، وكم عدد “USAID” أخرى تعمل تحت أسماء مختلفة، بتمويل أمريكي، لتنفيذ أجندات خفية في العالم؟، هل سيتم كشف المزيد من الفضائح في ظل الصراع السياسي المتصاعد داخل واشنطن؟

عندما يختلف السياسيون الأمريكيون.. تنكشف جرائمهم

ترامب لم يوقف USAID لأنه مؤمن بالعدالة، وماسك لم يفضح المشروع لأنه نصير لحرية التعبير، بل لأن الحرب الداخلية بين النخب الأمريكية كشفت المستور.

ما يحدث الآن ليس سوى بداية لكشف شبكة النفوذ الأمريكية العالمية، والتي طالما استخدمت عناوين براقة مثل “الديمقراطية”، “حقوق الإنسان”، و”التنمية”، لكنها في الحقيقة لم تكن سوى أدوات استعمارية تعمل خلف ستار المساعدات.

ومع كل صراع داخلي في واشنطن، ومع كل انقسام بين الجمهوريين والديمقراطيين، سنرى المزيد من الحقائق تتكشف، والمزيد من الأوراق تُحرق، والمزيد من المؤسسات الأمريكية تفقد شرعيتها وصورتها أمام العالم.

إذا كان هناك درس واحد من هذه الفضيحة، فهو أن السياسات الأمريكية لا تحكمها الأخلاق، بل المصالح.

اليوم قادهم خلافهم للكشف عن فضيحة USAID.. فماذا عن الغد؟